الرئيس السنيورة : سياستَنا الاقتصادية وإدارتنا للمالية العامة توجب علينا العمل على تحقيقِ النموّ المستدام الذي هو السبيل الأساس والأسلم لتخفيض العجز

-A A +A
Print Friendly and PDF
العنوان الثاني: 
تقدم بمداخلة شاملة خلال جلسة مجلس النواب لمناقشة الموازنة

اعلن رئيس كتلة المستقبل النيابية الرئيس فؤاد السنيورة:

إن سياستَنا الاقتصادية وإدارتنا للمالية العامة توجب علينا العمل على تحقيقِ النموّ المستدام الذي هو السبيل الأساس والأسلم لتخفيض العجز والدين العامّ.وذلك يقتضي ترشيد الإنفاق وتخفيض حجم إدارة الدولة وترشيقها وزيادة فعاليتها وإنتاجيتها وتشجيع الاستثمار وتحفيزه وتعزيز النمو وإيلاء دور أكبر للقطاع الخاص في الاقتصاد الوطني.

وقال الرئيس السنيورة : إننا مؤتمَنون على وزنات أوكَلَ الشعبُ أَمْرَها إلينا، فلا يسعُنا التخاذلُ ودفن الوزنات في الأرض حيث لن تعطيَ أي ثمارٍ وننتهيَ إلى "البكاء وصرير الأسنان" بل من واجبنا استثمارُها بحكمةٍ فينعُمُ الشعب بجنة "الفرح" الذي هو الخروج من الأزْمة الاقتصادية وتحقيق النمو الاقتصادي والاجتماعي. فتأجيلُ عمل اليوم إلى الغد غيرُ مقبولٍ ومضرٌّ لنا ولأجيالنا القادمة. لأن الكلفة باهظة، كلفةُ التأجيل، وكلفةُ التردد، وكلفة التجاذُب.

واضاف الرئيس السنيورة :  ما من شك أنّ هناك إمكانيةً حقيقية للخروج من تلك المآزق والانسدادات وأن هناك إمكانية للنجاح في مواجهة تلك المشكلات والتغلب عليها وبالتالي تحقيق مكاسب وطنية واقتصادية وسياسية حقيقية لصالح لبنان وصالح جميع اللبنانيين.

وقال :  إنّ هذا الأمر يقتضي بدايةً المبادرةَ إلى إجراء مصارحة حقيقية مع الذات ومع المواطنين من أجل تكوين رأي عام متبصر بالمخاطر المحدقة بلبنان على أكثر من صعيد ومن أجل استعادة ثقتهم بأنفسهم وبالدولة. وبالتالي إلى توفير إرادة وطنية جامعة لسلوك الطريق الذي يجنبنا المهالك والشرور المشتعلة في المنطقة والعالم من حولنا. وأيضاً سلوك طريق الإصلاح الحقيقي. وذلك يعني الحاجة إلى أن تكون لدينا الجرأة على اتخاذ القرارات اللازمة والضرورية لمواجهة تلك المصاعب التي أصبحت تواجه لبنان وتضغط على أعصاب اللبنانيين وتدفعهم إلى الإحباط واليأس.

كلام الرئيس السنيورة هذا ورد في الكلمة التي القاها في جلسة مناقشة الموازنة التي تقدمت بها الحكومة وفي ما يلي نص الكلمة:

دولة الرئيس،

الزملاء النواب،

نعم نستطيع أن نواجه التحديات ونخرج من المآزق التي أصبحنا بداخلها.

إثنا عشر عاماً انقضت على آخر جلسة عقدها المجلس النيابي لإقرار موازنة العام 2005. ولقد أسهم هذا الانقطاع في عدم الانضباط المالي وذلك بالتلازم مع الاحجام عن سلوك طريق الإصلاح الحقيقي، وتفاعلهما مع عوامل ومتغيرات سلبية عديدة طرأت على لبنان وأدّت إلى تفاقم أوضاع البلاد على أكثر من صعيد ولاسيما على الصعد الاقتصادية والمالية والإدارية.

وها نحن نجتمع اليوم لنقرّ موازنة العام 2017 وفي ذلك أمر مهم للغاية بكوننا نحقق إنجازاً ينتظره كل المواطنين ويبعث في الداخل والخارج على النظر إلى لبنان بعيون أكثر إيجابية بكونه يعيد إلينا الانتظام في ماليتنا العامة.

وفي هذا الصدد، لا بدّ لي من أن أوجه التحية والشكر لرئيس الحكومة دولة الرئيس سعد الحريري وللحكومة ولوزير المالية وكذلك للجنة المال والموازنة ولرئيس اللجنة على ما بذلوه من جهد لإنجاز مشروع الموازنة حتى وصل إلى الهيئة العامة لمجلس النواب.

الأمل الآن هو في كيف يمكن للبنان واللبنانيين أن يلجوا الباب الذي يبدأون فيه مسيرة السلوك الصحيح لذلك الطريق الطويل الشاق للإصلاح والنهوض جميعاً ودون تذاكٍ أو تشاطُر أو تلكؤ أو استعصاء أو تفرد لأننا جميعاً مبحرون على متن الزورق ذاته.

دولة الرئيس،

في 23- 25 تموز 1997 وبعد ظروف صعبة مرّت بها البلاد وتصاعد الضجة والقلق من تزايد العجز في الخزينة العامة، وتصاعد حجم الدين العام وعبئه ومن ذلك تراجع مستويات الحركة الاقتصادية، انعقد مؤتمر وطني جامع في قصر بعبدا برئاسة الرئيس الهراوي رحمه الله ومشاركة فعالة من الرئيس الحريري رحمه الله وعدد من الوزراء وكنت من بينهم إلى جانب ممثلي كافة القطاعات الاقتصادية والعمالية. ولقد صدر عن المجتمعين بيان مطول تضمنَ مجموعةً كبيرةً من التوصيات التي كان من الواجب العمل على تنفيذها والتقيد بها لمعالجة الأوضاع الاقتصادية والمالية.

دولة الرئيس،

أيها الزملاء،

لو اطلع أحد منكم على ذلك البيان فسوف يتساءل بينه وبين نفسه: هل هو يقرأ بياناً تمت صياغته لمعالجة المشكلات التي كانت موجودة في العام 1997 أم أنه جرت صياغته البارحة لمعالجة المشكلات القائمة في العام 2017 أي بعد مرور عشرين سنة بالتمام.

الحقيقة أنها ذات المشكلات. الفرق الوحيد أنها زادت حدّة وخطورة عما كانت عليه في العام 1997 نتيجة التقاعس والإهمال والتلكؤ عن المبادرة، والإصرار على اعتماد المعالجات الشعبوية التي هي ليست بمعالجات، بل هي بالفعل ليست سوى الإمعان في حفر وتعميق الحفرة التي جرى دفع الوطن، كل الوطن، وكل اللبنانيين إليها نتيجة الامتناع عن سلوك طريق الإصلاح الصحيح.

ماذا جرى بعد ذلك الاجتماع؟ لا شيء!! كالعادة انتهت تلك الاجتماعات والخلوات الى مقررات لم تأخذ طريقها للتنفيذ كالقوانين التي نسنّها ولا ننفذها. المشكلة كانت ولم تزل هي في عدم توافر الإرادة في الالتزام بتنفيذ الإصلاحات وتطبيق القوانين واعتماد القواعد الصحيحة في الإدارة، وبالتالي إلى عدم التعاون وعدم العمل مع المواطنين لإقناعهم بالسير على مسارات الطريق الصحيح.

بعدها يحضرني ما كتبته في أكثر من فذلكة من فذلكات الموازنة وكلمات ألقيتها من هذا المكان في مجلس النواب على مدة عدة سنوات ومنها فذلكة العام 2002 اقتطف منها هذا المقطع:

"... إن سياستَنا الاقتصادية وإدارتنا للمالية العامة توجب علينا العمل على تحقيقِ النموّ المستدام الذي هو السبيل الأساس والأسلم لتخفيض العجز والدين العامّ.

وذلك يقتضي ترشيد الإنفاق وتخفيض حجم إدارة الدولة وترشيقها وزيادة فعاليتها وإنتاجيتها وتشجيع الاستثمار وتحفيزه وتعزيز النمو وإيلاء دور أكبر للقطاع الخاص في الاقتصاد الوطني".

وأضفت من ذات الفذلكة قائلاً: "لقد أطلقنا في مطلع العام 2001 رُزمةً من الإجراءات الإصلاحية ما لبثت أن تباطأت تدريجياً بسبب أجواء الاحتقانات السياسية والحزازات التي لا طائل منها، وإننا لا نستطيعُ التسليم بهذا التباطؤ، لأنّ له كلفةً اقتصادية ومالية ووطنية، ولأنّ الرِهان رهانٌ على مستقبل نصنعه بالجدّ والجدّية وبالتضامن باعتبار تلك القيم هي التي تصنعُ المستقبل. فنحن لا نستطيع في المجال العام، وكما درجنا على مدى عقود ماضية، المراهنة على عامل الوقت لحل بعض المشكلات والمصاعب عسى أن يحلّها الزمن. فنحن لا نستطيع الاستمرار في هذا المنحى من التصرف.

إننا مؤتمَنون على وزنات أوكَلَ الشعبُ أَمْرَها إلينا، فلا يسعُنا التخاذلُ ودفن الوزنات في الأرض حيث لن تعطيَ أي ثمارٍ وننتهيَ إلى "البكاء وصرير الأسنان" بل من واجبنا استثمارُها بحكمةٍ فينعُمُ الشعب بجنة "الفرح" الذي هو الخروج من الأزْمة الاقتصادية وتحقيق النمو الاقتصادي والاجتماعي. فتأجيلُ عمل اليوم إلى الغد غيرُ مقبولٍ ومضرٌّ لنا ولأجيالنا القادمة. لأن الكلفة باهظة، كلفةُ التأجيل، وكلفةُ التردد، وكلفة التجاذُب.

دولة الرئيس،

الإصلاح أمر تتبناه الأمم لأنها بحاجة ماسة إليه وتبادر إلى تنفيذه عندما تكون قادرة عليه، وليس عندما تصبح مجبرة على تنفيذه. عندها تكون العملية الإصلاحية قد أصبحت أكثر إلحاحاً، ولكن عندها يكون تنفيذها أكبر كلفة وأكثر إيلاماً.

دولة الرئيس،

لقد سمعنا البارحة واليوم عدداً من المداخلات واني أنوّه بما قاله جميع زملائي من كلمات قيمة ولاسيما بما قاله الزملاء أحمد فتفت وغسان مخيبر وغازي يوسف والتي تشرح الحال التي وصلنا إليها بنتيجة الاستعصاء الذي تمت ممارسته بعدم سلوك دروب الإصلاح التي كان علينا ان نسلكها لتحقيق الرصانة والسلامة لماليتنا العامة واستعادة النمو الاقتصادي المستدام والتقدم في أَوضاعنا الاجتماعية. وقد انعكس ذلك تراجعاً تدريجياً في أحوالنا العامة وتقلصاً في استعدادنا للتلاؤم الضروري مع التحولات والمتغيرات، وانحساراً في قدرتنا على مواجهة الأزمات التي تعصف بلبنان واللبنانيين الذين بدأوا يدركون ويعانون من تلك المآزق والانسدادات.

دولة الرئيس،

ما من شك أنّ هناك إمكانيةً حقيقية للخروج من تلك المآزق والانسدادات وأن هناك إمكانية للنجاح في مواجهة تلك المشكلات والتغلب عليها وبالتالي تحقيق مكاسب وطنية واقتصادية وسياسية حقيقية لصالح لبنان وصالح جميع اللبنانيين.

إنّ هذا الأمر يقتضي بدايةً المبادرةَ إلى إجراء مصارحة حقيقية مع الذات ومع المواطنين من أجل تكوين رأي عام متبصر بالمخاطر المحدقة بلبنان على أكثر من صعيد ومن أجل استعادة ثقتهم بأنفسهم وبالدولة. وبالتالي إلى توفير إرادة وطنية جامعة لسلوك الطريق الذي يجنبنا المهالك والشرور المشتعلة في المنطقة والعالم من حولنا. وأيضاً سلوك طريق الإصلاح الحقيقي. وذلك يعني الحاجة إلى أن تكون لدينا الجرأة على اتخاذ القرارات اللازمة والضرورية لمواجهة تلك المصاعب التي أصبحت تواجه لبنان وتضغط على أعصاب اللبنانيين وتدفعهم إلى الإحباط واليأس.

أقول هذا الكلام بسبب تراكم وتعقد وتصاعد حدة المشكلات التي يواجهها لبنان واللبنانيون على الصعد الوطنية والسياسية والأمنية والاقتصادية والمالية والإدارية والاجتماعية. وأقوله أيضاً ولاسيما بسبب تأثيرات ذلك كله وتبعاته وتداعياته على الأوضاع الاقتصادية والمالية وبالتالي على الاستقرار المالي والنقدي والمعيشي في لبنان.

إنّ نظرة سريعة على هيكلية الموازنة العامة كما تظهرها موازنة العام 2017 تبين لنا أنّ هناك أبواباً أربعة أساسية للإنفاق تشكل ما يقارب 80% من مجموع الموازنة. وهي الرواتب والأجور والمعاشات التقاعدية وخدمة الدين العام والدعم المقدم لمؤسسة كهرباء لبنان من أجل الإبقاء على التعرفة كما هي وهذا كله ما يعكس عدم مرونة الموازنة. هذه الأبواب لا يمكن تخفيض أي مبلغ أساسي فيها إلاّ إذا سلكنا طريقاً طويلاً لمعالجات صحيحة اقتصادية وسياسية وإدارية واجتماعية يتحقق معها تصحيح تدريجي لهذه الهيكلية غير المرنة للموازنة.

ولقد سمعت عدداً من الملاحظات بشأن إجراء تخفيضات على بعض من هذه الأبواب في الإنفاق ولا بدّ لي هنا من أن أوضح بعض الأمور التي يجب توفرها لتحقيق مثل هذا الخفض.

فمن قائل لماذا لا نخفض أسعار الفوائد بنسبة واحد بالمائة أو أكثر حتى ثلاثة بالمائة:

  1. بداية لا يمكن خفض معدلات الفائدة بقرار هكذا، ولكن يكون ذلك بتعزيز الثقة بالاقتصاد وبالمستقبل. ولتعزيز هذه الثقة ينبغي وفي الحدّ الأدنى تأمين عدد من العوامل ومنها زيادة معدلات النمو في الاقتصاد بشكل واضح يجعل اللبنانيين والمعنيين بالشأن الاقتصادي في لبنان يستعيدون الثقة بأن معدلات النمو ستعود تدريجياً إلى أن تبلغ معدلات مستدامة وإلى ما يزيد عن خمسة بالمائة سنوياً.
  2. تحقيق فائض حقيقي في ميزان المدفوعات يستعيد بموجبه لبنان وسنوياً إلى ما كان يتحقق لديه خلال السنوات 2007- 2010.
  3. مؤشرات تؤكد على تحسن واضح في المالية العامة يكون من نتيجتها انخفاض العجز في الموازنة والخزينة ويتحقق من ذلك فائض أولي يتخذ شكل الاستدامة وبما يعني أنّ لبنان قد بدأ يخطو وبخطوات واثقة ومستمرة نحو معالجة أوضاعه الاقتصادية والمالية.

أما كيف يمكن للبنان أن يستعيد المعدلات المستدامة من النمو، فإنّ ذلك يتحقق مع استعادة الدولة لدورها وحضورها وهيبتها بما ينجم عنه تعزيز للاستقرار الداخلي وبما يزيد من قدرة الدولة على تحقيق تحسين حقيقي في مُناخات الاستثمار في لبنان. ومن ذلك اقتناع المستثمرين بالتشريعات وبالتسهيلات التي تعتمدها الحكومة لطمأنة المستثمرين ومنها لجهة سياسة اعتماد Ease of Entry Ease of Exitوبما يجعلهم يقبلون على الاستثمار وذلك في ظلّ تشريعات وممارسات تبعث على الثقة.

هذا فضلاً عن نجاح الحكومة في إظهار قدرتها على تحقيق تقدم حقيقي على مسارات تنفيذ الإصلاحات التي التزمت بتنفيذها الحكومة في مؤتمرات باريس-1 و2 و3.

أما كيف يمكن ان يصار إلى الحدّ من تضخم كلفة الرواتب والأجور ولاسيما بعد إقرار السلسلة الجديدة للرواتب والأجور والمعاشات التقاعدية فإنّ هناك قراراً أساسياً ينبغي على الحكومة والمجلس اتخاذه لجهة السعي الجاد الى ترشيق حجم الدولة وهذا مطلب قديم لطالما ذكَّرت به وأكدَّت عليه على مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية في مجلس الوزراء وهنا في مجلس النواب. وأودّ هنا أن أذكركم بالمثل الذي أعطيته لزملائي النواب في اجتماع للهيئة العامة لمجلس النواب قبل عدة أشهر حول السيارة الصغيرة ذات المحرك الصغير التي عليها ان تجر القاطرة (Trailer)، وفي ذلك استحالة. فكيف إذا كان ما يحصل يخالف كل قاعدة وكل شرط. حيث لا يجري الاهتمام ولو على سبيل المحاولة برفع كفاءة محرك السيارة ولا بتخفيض الاحمال والاثقال الموجودة في القاطرة. ان ما يجري وياللأسف هو عدم صيانة لمحرك السيارة وكذلك عدم زيادة لكفاءته من جهة أولى لا بل وزيادة حجم الاثقال الموجودة على القاطرة من جهة ثانية وفي ذلك خطأ وخطر كبير. إننا إذا لم نبادر إلى القيام بهذه المعالجات حتى الان، فإنه يتوجب علينا العمل جدياً وفوراً من أجل المبادرة إلى القيام بذلك في أسرع وقت.

كذلك الأمر بالنسبة للنظام التقاعدي المعمول به في لبنان والذي هو في الأساس نظام ذا كلفة عالية لا تستطيعها الدول الغنية. فكيف بالدول متوسطة الدخل مثل لبنان. والمشكلة الكبيرة هي أنه اذا بقيت الأمور على هذا النحو فلربما وبعد عدة سنوات ستصبح كلفة المعاشات التقاعدية مماثلة لكتلة الرواتب والأجور وفي ذلك خطر كبير. وعلى ذلك فإني أنصح ان يصار إلى المبادرة إلى وضع دراسة اكتوارية موضوعية لهذه المسألة ليتبين للبنانيين وللحكومة والمجلس النيابي حقيقة حجم المشكلة وبالتالي كيفية الخروج منها ومن ثم المبادرة إلى اتخاذ القرارات الشجاعة والصحيحة لمعالجة هذه المشكلة.

أما بالنسبة لمسألة الكهرباء والدعم الموجود لسعر التعرفة الحالية فإنّ الأمر الأساس في كيفية مقاربة هذه المشكلة هو في وضوح الصورة أمام الجميع بوجوب المبادرة إلى وضع الخطة موضع التنفيذ ولاسيما في البدء بتنفيذ البرنامج الطويل الأمد لمعامل الكهرباء الجديدة ليتسنى في ضوء ذلك طرح الخطة القصيرة الأمد والبدء بتنفيذها بما يقنع اللبنانيين بأنّ الأمور قد وضعت على المسار الصحيح كذلك أيضاً فيما يتعلق بمعالجة المشكلات المتعلقة بالنقل والتوزيع وكذلك بهيكلية مؤسسة كهرباء لبنان.

كذلك أقول أيضاً على خلفية الحالة التي آلت اليها إدارة الشأن العام في لبنان، ولاسيما لجهة حال الاستتباع الكامل للإدارة اللبنانية وللجسم القضائي في لبنان لصالح السياسيين وقادة الأحزاب والمليشيات الطائفية والمذهبية والمؤسسات التابعة لهم. وقد أدى ذلك إلى ما أصبحت عليه حال الإدارة اللبنانية وحال إدارة الشأن العام والتردي الكبير في مستويات الثقة بالدولة وما يعنيه ذلك من استمرار الإطاحة بمصالح المواطنين الحقيقية وبمصلحة الدولة الراعية لشؤونهم ولمصالحهم.

وليت الأمر اقتصر على ذلك، فقد أسفرت الأوضاع المستجدة في هذه المرحلة عن ارتباك رؤية لبنان ونظرته لطبيعة علاقته مع الدول العربية الشقيقة التي يجب عليه ان يحرص عليها ويتقيد بها في كيفية معالجة المشكلات التي بدأت تظهر بين الحين والآخر بينه وبين عدد من الدول العربية، وهي الدول التي تشكل المدى الحيوي الأساسي للاقتصاد اللبناني وكذلك للعدد الكبير من اللبنانيين العاملين في تلك البلدان.

هذا إضافةً الى المخاطر الكبيرة التي تحملها معها التداعيات الخطيرة للأحداث الجارية، والتهديدات الإسرائيلية المستمرة للبنان. وكذلك أيضاً بسبب الأوضاع المتوترة إقليمياً ودولياً على أكثر من صعيد أمني وسياسي واقتصادي ومالي.

كل ذلك يجب أن يدفعنا الى التصرف على أساس أنّ لبنان قد أصبح في وضع لم تَعُدْ تنفعُ معه معالجةُ مشكلاته الكبيرة والمتفاقمة بالمراهم الموضعية أو الحلول المجتزأة. كما لا ينفع معها الخطاب الشعبوي، ولا ينفع معها الخطاب الذي يستثير العصبيات والتشنجات الطائفية والمذهبية وكذلك لا ينفع فيها الخطاب العنصري. فكل ذلك لا يؤدي إلاّ إلى تعميق المأزق الذي أصبح لبنان في داخله.

دولة الرئيس،

إنّما يمكن أن نتعرض له اليوم كدولة وكلبنانيين من إشكالات ومن كلفة ومعاناة في هذه المواجهة، التي أصبحت شبه حتمية، لهو اقل بكثير مما يمكن أن نتعرض له في الغد إذا استمر بنا حال التجاهل أو عدم الاكتراث أو التقاعس عن اتخاذ ما ينبغي من قرارات إصلاحية جريئة على الصعد الوطنية والسياسية والإدارية والمالية والاقتصادية تعيدنا إلى مسارات النهوض الحقيقي.

دولة الرئيس،

ان المسار الأول في هذه المواجهة هو في توفير الإرادة الجازمة والحازمة والملتزمة من أجل إعادة الاعتبار للدستور ولدولة القانون والنظام. وبالتالي إعادة الاعتبار للدولة وهيبتها وسلطتها الكاملة على جميع الأراضي اللبنانية حيث لا تنفع الازدواجية في السلطة ولا يجدي الاستمرار في الافتئات على سيادة الدولة وعلى دورها في الحفاظ على القانون والنظام. ذلك مع التأكيد على أهمية الالتزام باحترام اتفاق الطائف واحترام القرارات الدولية وقرارات الإجماع العربي. إنّ التقدم على هذا المسار يمكننا من الاستعادة التدريجية لثقة الناس بالدولة، التي يفترض ان تمارس عملها ودورها بحياديةٍ وصرامةٍ وحزم وعدالة وحوكمة من أجل صالح جميع المواطنين ومن أجل الصالح العام.

والمسار الثاني هو في إعادة الاعتبار للقواعد السليمة التي يجب أن ترعى إدارتنا لشؤوننا العامة بحيث ينبغي عندها إعادة الاعتبار لاحترام الكفاءة والإنجاز والجدارة في لبنان وفي بناء الإدارة العامة على أسس صحيحة وتعزيز مستويات احترافها وهي التي ينبغي أن يكون ولاؤها الوحيد للدولة وليس للأحزاب والميليشيات وزعماء الطوائف والمذاهب. وينبثق عن ذلك العودة إلى الالتزام بما تنص عليه المادة 95 من الدستور، التي تنص على أنه وباستثناء المناصب التي تحددها تلك المادة فإنه يجب ان تكون المناصب في الإدارة العامة من نصيب أصحاب الجدارة والكفاءة والاستحقاق على أساس تنافسي وضمن مباريات مفتوحة. وبالتالي فإنه ينبغي العودة إلى احترام نتائج المباريات المفتوحة التي يجريها مجلس الخدمة المدنية. ويسهم ذلك في استعادة الثقة بين الحكومة والمواطنين من خلال ممارسة المزيد من الشفافية والإفصاح وتعزيز كفاءة الإدارة وحكم القانون ومكافحة الفساد والهدر المقونن وغير المقونن. في هذا الشأن، لا بدّ لي من العودة إلى التأكيد على أنّ الرقابة على أهميتها الكبيرة ليست بديلاً عن حسن الإدارة. وفي هذا المجال يحضرني القول الشائع المعدَّل: "أعط الخبز للخباز وراقبه حتى ما ياكل نصفه".

إنّ الاستمرار في عدم الاكتراث أو الاستمرار في طرح هذه القواعد جانباً يعني أن يصبح لبنان طارداً للكفاءات ولأصحاب المواهب وليس جاذباً لها، بما يؤدي إلى تراجع مستويات التنافسية على أساس من هذه المعايير، ويدفع بالمتميزين من أصحاب القدرات والكفاءات إلى الهجرة خارج لبنان حيث الفرص الأكبر والمناخات الملائمة. ذلك بما يدفع لبنان ومجتمعه وياللأسف إلى الاكتفاء بمتوسطي القدرات والكفاءات mediocrityبما ينعكس سلباً على الاقتصاد اللبناني ونموه وحيويته ومستقبله ومستقبل اللبنانيين.

إنّ التقدم على هذا المسار يجعل من الممكن على المواطن تَقَبُّلَ الأعباء الضريبية هذا مع استمرار العمل على إعادة صياغتها وتطبيقها بطريقة عادلة بين مختلف شرائح المواطنين وجبايتها أيضاً بطريقة فعالة ومجدية. لأنّ المواطن يعرف في حال التقدم على هذا المسار إلى أين المصير، ويعرف عندها أنّ مصالحه محفوظة ومَصونة، وأنّ هذا التوجُّه هو التوجه المستقبلي الذي يخدم مصلحته ويمكن التأكد منه والتحقق من تنفيذه من خلال مؤشّرات الأعمال والتصرفات. إنما إن لم يحصُلْ شيءٌ من ذلك، تصبح الثقة مفقودة، ونحن نعاني من ذلك بالفعل، ولا يفيد الجدال والإنكار، ولا الاتهامات المتبادَلة.

 

والمسار الثالث هو في إعادة الاعتبار إلى القواعد العامة التي يقوم عليها نظامنا الديمقراطي الحرّ بأنه لا أحد فوق المحاسبة والمساءلة ضمن الأطر التي يحددها الدستور والقانون، حيث تتلازم المسؤولية مع وجود المساءلة والمحاسبة، وذلك بعيداً عن كيل الاتهامات المفبركة أو اللجوء إلى الوسائل والأساليب الفضائحية أو على شاكلة المحاكمات الميدانية التي لا هَمَّ لها إلاّ تشويه السمعة وأحياناً كثيرة لحرف الانتباه عن المشكلات الحقيقية، وكذلك للتعمية على الارتكابات والانتهاكات التي يقترفها آخرون.

المسار الرابع: إنه ووسط هذا العجز في الموازنة والخزينة وهذه المديونية العالية، والقصور في ميزان المدفوعات بسبب تراجع تحويلات اللبنانيين من الخارج، والتراجع في مستويات النمو الاقتصادي، وعدم القدرة الحقيقية على تخفيض سقوف الإنفاق بالحجم المطلوب ولاسيما بعد السلسلة الجديدة للرواتب التي أقرّها مجلسنا، فإنه ينبغي الحرص على تصويب بوصلة معالجاتنا لشؤوننا العامة. انه وعلى أهمية وخطورة الحجم الكبير للدين العام وكذلك الزيادة الحاصلة في العجز السنوي، فإنّ الأمر المهم بدايةً هو في تصحيح المسار وتصويب الاتجاه الذي يؤدي إلى الاندفاع الوطني لتحقيق المعالجات المطلوبة.

وسط ذلك كلّه، فإنّ لبنان لا يمكنه إلاّ أن يجهد من أجل تصويب بوصلته لكي تخدم مصالحه ومصالح اللبنانيين. ويكون ذلك في ان يوثق علاقاته مع أشقائه ومع أصدقائه في العالم. مع الأشقاء الذين ساعدوه من قبل من أجل إعادة إطلاق حيوية اقتصاده وهم الذين وقفوا إلى جانب لبنان دائماً ولاسيما في مؤتمرات باريس-1 و2 لمساعدة لبنان. وكذلك وقفوا معه خلال وبعد العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006 ورعاية عمليات إعادة الإعمار وفي دعمه أيضاً في مقررات مؤتمر باريس-3. وذلك يقتضي من لبنان أن يستعيد ويؤكد على التزامه ويبادر إلى تنفيذ ما وعد بتطبيقه من إصلاحات في تلك المؤتمرات التي عقدت من أجله وبالتالي التنبه إلى أنّ لا يمكن النجاح في عقد مؤتمرات أخرى إذا لم نُظهر جدية في تنفيذ ما التزمنا به من إصلاحات هي في الأساس وضعت لصالحنا ولصالح اقتصادنا الوطني.

إنّ هذا يتطلب كذلك نسج علاقاتٍ جيدة وإدراكاً متبادَلاً وإيجابياً بيننا وبين العرب ومع العالم. ولا بدّ لي من القول هنا أننا لا أجد أنّ العلاقات مع العرب والعالم في وضعها الحالي إيجابية أو مطمئنة بالقدر الكافي. وهذا الأمر يجب ان يحظى بالأهمية والمعالجات التي يستحقها.

دولة الرئيس،

إنه وعلى أساسٍ من هذه القواعد يمكن العودة إلى ما ينبغي أن تكونَ عليه بوصلة اهتماماتنا وهو ما يدفعنا إلى تركيز جهودنا على ما يعالج بالفعل مشكلاتنا ومآزقنا وانسداداتنا الحالية والداهمة، حيث لم يعد من المفيد الاستمرار في المعالجات اللفظية بإظهار الحرص على التقدم على مسار الإصلاح وممارسة عكسه.

المصيبة التي حاقت بنا كلبنانيين في هذا الصدد أنّ هذا الأسلوب اللفظي في المعالجات، دون الولوج الحقيقي لاتخاذ القرارات الإصلاحية الصحيحة، أصبح هو السمة الطاغية حتى الآن. وذلك كله يزيد المواطنين والمتعاملين مع الدولة اللبنانية في الداخل والخارج تراجعاً وانحساراً كبيراً لديهم في الثقة بالدولة اللبنانية وبجدارتها وتصميمها على القيام بذلك، ناهيك عن زيادة الشكّ بحياديتها وفعاليتها.

دولة الرئيس،

إنه مازال ممكناً لنا التصدي لجملة التحديات والانسدادات ونحن نستطيع ذلك وما علينا إلاّ ان تكون لدينا الإرادة والعزيمة على سلوك هذه المسارات. لأنّ الحال التي وصل اليها لبنان تقتضي القيام بهذه المبادرات السريعة، حتى لا يسهم تقاعسنا مرّة جديدة في جعل عملية الإصلاح مستحيلة. وبالتالي يصبح بعدها تحقيق النهوض الوطني والسياسي والاقتصادي والمالي والاجتماعي أمراً مقلقاً بالغ الصعوبة ومؤلماً ان لم يكن مستحيلاً وهو ما يقود البلاد- لا سمح الله- إلى مستقبل مجهول.

قبل أن أختم كلامي لا بدّ لي من أن أقول بأني حاولت في مداخلتي أن أضع معالم البوصلة التي تمكننا نحن جميعاً كلبنانيين من أن ننجح فعلاً في مواجهة التحديات وان نتقدم على مسارات الخروج من المآزق التي أصبحنا داخلها.

وفي هذا الصدد يطيب لي أن استشهد ببيت من الشعر للمتنبي متمنياً أن نكون نحن كلبنانيين لائقين وجديرين وعلى قدر ما يقوله المتنبي:

أبَداًأقْطَعُالبِلادَ وَنَجْمي  في نُحُوسٍ وَهِمّتي في سُعُودِ

تاريخ الخطاب: 
20/10/2017