الرئيس السنيورة : صيغة لبنان تكافح لكي تعيش وفشلها يعني فشل السلام في المنطقة لان لبنان نموذج للعيش المشترك

وطنية - 18/6/2010 اعلن رئيس كتلة المستقبل النيابية الرئيس فؤاد السنيورة في محاضرة القاها مساء امس بدعوة من مؤسسة السياسة الخارجية في ميونيخ في قاعة المتحف الاثنولوجي تحت عنوان لبنان والعالم العربي : الفرص والتحديات . "ان العالم يمر بفترة انتقالية متعددة الاقطاب بعد ان عاش منذ سقوط جدار برلين في ظل الاحادية الاميركية".
وراى "على الولايات المتحدة ان تتقاسم الان نفوذها السياسي مع اوروبا، والاقتصادي مع الصين والسلطة العسكرية مع روسيا فنحن الان في نظام عالمي قديم يشرف على الاضمحلال فيما لم يظهر النظام البديل او النظام الجديد". وتخوف من ان " تسود خلال هذه الفترة الانتقالية تحديات كمثل العودة للغرائز الدينية والطائفية والعرقية او القبلية والبدائية الامر الذي من شأنه ان يعزز الانعزال والاحساس بفائض القوة والغطرسة".
واعلن ان " لبنان يشكل تجربة ما تزال تكافح لاثبات نجاحها وهي بحاجة للتطوير لكي تشكل نموذجا للمنطقة فتركيبة لبنان السياسية وموقعه ادى الى استيراد النزاعات والانقسامات بدل ان ينجح في تصديرها الى محيطه ".وقال "ان فشل التجربة اللبنانية هو فشل رسالة السلام والعيش المشترك في العالم والانفتاح والتنوع". واعتبر "ان بقاء شعب من دون ارض ودولة مستقلة اي من دون امل او افق لم يعد مقبولا ويجب ان ينال الشعب الفلسطينين حقوقه وان لا يبقى رهينة الحكومة الاسرائيلية اليمينية العدوانية ورهينة زنب اقترفه الغرب تجاه اسرائيل".
واستهل الرئيس السنيورة محاضرته التي حضرها حشد من النخبة المثقفة واصحاب الراي ورجال اعمال بعد ان قدم لها رئيس المؤسسة الدكتور هورست ماهر بالقول:" يسرني أن أتوجه إليكم اليوم، واسمحوا لي أولا أن أعرب عن امتناني لمؤسسة السياسة الخارجية ورئيسها الدكتور هورست ماهر وللسيد ويلي ريليكيه لإعطائي فرصة الالتقاء بكم وتبادل الأفكار حول بعض القضايا الأساسية التي تواجهنا معا، ألمان ولبنانيين، أوروبيين وعرب، في هذا العالم المترابط لكن المعقد".
ضاف:"هذا العالم الذي أضحت فيه مفاهيم الأمم وماهية الحدود والنظرة للأمن والسلامة كلها مفاهيم دينامية ومتجددة للغاية. عالم يمكن فيه لمسألة بقدر بركان أيسلندا، وبئر نفط جوفية في أعماق البحر في خليج المكسيك، وموجة عابرة لانفلونزا الطيور أو الخنازير،أو خلل تجاري عشوائي تقني في عملية تبادل المعلومات، أن تؤدي إلى تدهور أسواق الأسهم العالمية وتعطيل حركة النقل الدولي وتهديد استمرارية الأعمال والتسبب بضرر بيئي وخسارة مليارات الدولارات، والأسوأ من ذلك أن هكذا عوارض، يمكنها أن تؤدي إلى خسائر في الأرواح البشرية التي لا يمكن تعويضها، وكلها صدمات لا يمكن الوقوف بوجه تداعياتها التي لا تقف عند أي حدود، ولا تقتصر مفاعيلها على دولة دون سواها. وأن مبادرتي إلى ذكر هذه الأحداث التي تفتقر للانتظام والاتساق إنما بهدف إبراز مدى تقلص عالمنا، ومدى تداخل حياتنا في هذه القرية العالمية. وما ذكر هذا الأمر إلا للتأكيد انه يشكل إطارا أو خلفية للتحديات المعقدة الأعمق والأكبر التي نواجه جميعا".
وتابع:" تعيش مناطق مختلفة من العالم، خاصة في أوروبا والشرق الأوسط وهي مناطق تعنينا أكثر من غيرها ، مرحلة من الغموض السياسي الكبير و تصاعد التوترات العسكرية الحادة والتقلبات الاقتصادية القوية (حتى أن بعض الدول يعاني أحيانا من اثنين أو أكثر من المشاكل هذه المذكورة آنفا). وهذه التطورات والتحولات تحدث بشكل مفاجئ لدرجة يصعب معها أحيانا فهم كافة تداعياتها، ناهيك عن تحديد التغيرات العميقة التي تكمن وراءها. وقد توسعت هذه المعضلات لتشمل عددا كبيرا من القضايا الأخرى، منها: المواجهات التي تجري ضد تطرفين المسلمين، في جبال أفغانستان وباكستان، وصولا إلى شوارع نيويورك إلى المسائل المتعلقة بطموحات إيران النووية، والمعضلة الفلسطينية الإسرائيلية المعقدة أكثر من أي وقت مضى، وعلى نطاق أوسع الصراع العربي الإسرائيلي، إضافة للبعد التركي الذي أضيف في الآونة الأخيرة، فضلا عن المسائل والقضايا الساخنة في منطقة الشرق الأوسط من العراق إلى اليمن والسودان والصومال وكذلك في لبنان. هذه عينة عن بعض المشكلات السياسية والأمنية التي نواجهها في عالمنا اليوم والتي تهمنا بشكل مباشر كلبنانيين وكعرب وأيضا كمواطنين في هذه القرية العالمية". اضاف:" لكن في ظل غياب قرار أو حتى إستراتيجية أو مسار واضح لمعالجة بعض من هذه المشكلات السياسية العميقة والمعقدة يزداد حجم ومستوى الضبابية والشكوك . كذلك تعزز حالة الغموض هذه وزادتها تعقيدا منذ العام 2007 بفعل المشكلات العقارية في الولايات المتحدة، والتي تحولت إلى أزمة مالية عالمية وهي الآن تتحول إلى أزمة اقتصادية عالمية والتي لا زالت تداعياتها تتطور، إذ أن أثارها تنتقل الآن من القطاع الخاص، أكان ذلك على المستوى الأسري أو الشركات، إلى مستوى الدول وأوضاعها المالية ذات السيادة بدءا من أوروبا، علما أنها لن تقتصر عليها وحدها ولن تتوقف عندها بالتأكيد".
واشار الى ان "السؤال الذي يطرح نفسه بحدة هو ، هل أن هناك توجه مشترك أو قوة تغيير يمكن أن تساعدنا على فهمها والإحاطة بها ؟ برأي نعم، هناك توجه عميق نحو التغيير في العالم. لكن بالرغم من أن مطالعتي في هذا الصدد واضحة ومباشرة فان نتائجها بالفعل غاية في التعقيد. برأي أن الغموض السياسي والثغرات الأمنية والتقلبات الاقتصادية، كلها مظاهر مختلفة للانتقال من عالم كانت فيه الولايات المتحدة دون سواها مهيمنة سياسيا وعسكريا واقتصاديا وحتى ثقافيا قبل وبعد انهيار جدار برلين إلى عالم قد يكون متعدد الأقطاب، حيث يعني تقاسم السلطات السياسية والعسكرية والاقتصادية أطرافا متعددة، مما يزيد من تعقيدات النظام العالمي الجديد، هذا في حال استطعنا إطلاق هذه التسمية عليه في مرحلة ما بعد الأحادية الأمريكية".
وقال:" كما تلاحظون، فانه يظهر تدريجيا وجود عالم متعدد الأقطاب تختلف فيه هذه الأقطاب مع اختلاف القضايا المطروحة، عالم ترى فيه الولايات المتحدة الأميركية أن عليها أن تتشاطر السلطة العسكرية مع روسيا، والسلطة الاقتصادية مع الصين، والسلطة السياسية مع أوروبا. إلا أنه وفي الجانب الأخر فان للصين كذلك الأمر طموحات عسكرية قد تسعى إلى تحقيقها، ولروسيا طموحات سياسية تسعى ناشطة إلى تحقيقها، كما أن أوروبا وهي التي ترجمت طموحاتها الاقتصادية على أرض الواقع من خلال انجاز التكامل الاقتصادي مع باقي الدول الأوروبية لها طموحاتها أيضا، بالرغم من أن هذه التجربة الأوروبية العظيمة تتعرض اليوم لاختبار قاس. إذا فانه من شأن كل هذه العوامل أن تزيد من حجم التعقيدات والشكوك ومرحلة عدم الوضوح السائدة. أضف إلى ذلك، فان هناك بلدانا أخرى كالبرازيل والهند تحاول أن تبرز اقتصاديا و حتى سياسيا في بعض الأحيان وذلك، كما شهدنا اخيرا. كما أن غيرها من الدول كتركيا وإيران لديه طموحات سياسية واقتصادية وعسكرية على المستوى الإقليمي وان كانت تسعى إلى تحقيقها عبر اعتماد سبل وأساليب مختلفة، مما يعزز من حجم التعقيدات والشكوك ومرحلة عدم الوضوح التي تسود موازين القوى العالمية الجديدة".
اضاف:"حقيقة الأمر أن هناك نظاما عالميا أشرف على الاضمحلال وتقترب نهايته في وقت لم يولد فيه نظام عالمي جديد بعد. و لقد أضعفت بشكل واضح وجوهري سلسلة من الأحداث التي قد تكون بدأت مع الغزو الأميركي للعراق في العام 2003 ، والذي افتقد إلى أي مسوغ أو مبرر أخلاقي، وصولا إلى الأزمة العقارية في الولايات المتحدة في العام 2007، وهي الإحداث التي أضعفت الهيمنة الأميركية على العالم. وقد تكون ألحقت بهذه الهيمنة في الواقع ضررا لا يمكن إصلاحه، لدرجة أنها قد تكون وضعت حدا لها. لكنه في المقابل وأمام نهاية حقبة التفرد الأميركي، لا يزال على النظام العالمي الجديد أن يتبلور سياسيا واقتصاديا. وفي هذا الصدد قد يرى البعض عددا من أوجه التشابه مع فترة ما بين الحربين العالميتين في القرن الماضي، عندما تقلصت هيمنة بريطانيا العظمى الاقتصادية والعسكرية إلى حد كبير في وقت لم تكن فيه هيمنة الولايات المتحدة (وفيما بعد الاتحاد السوفياتي) قد تبلورت بشكل واضح. والمثير للاهتمام أن تلك الفترة تميزت هي الأخرى بالكثير من الغموض السياسي وبكساد اقتصادي كبير كان يشتمل بشكل مثير للفضول على نقاط تشابه صارخة مع الظروف العالمية الحالية وإن كانت نسبة حدتها ما زالت أدنى حتى الآن. هذه هي الفترة التي نرى فيها أن نظاما ينتهي ، من دون أن يكون قد تبلور فيها نظام جديد بشكل صريح، وهو ما يمكن اعتباره بمثابة فترة انتقالية".
وتابع:" يمكن بالفعل التعرف على عدد من خصائص هذه الفترة الانتقالية في عالم اليوم وذلك عبر الاتي: تحول مفاجئ لمحور الاهتمام في الشؤون الدولية، وإثارة قضايا كانت كامنة (كالتوترات العسكرية المتجددة في شبه الجزيرة الكورية)، والافتقار لقيادات سياسية عالمية، وارتفاع في وتيرة الأعمال العدوانية والاستخدام المتكرر والمفرط للقوة (كالهجوم الإسرائيلي على أسطول الحرية)، والدور والنفوذ الأكبر والمتزايد للتجمعات الجديدة كمجموعة الـ 20 التي أصبحت تتفوق على مجموعة الـ 7 التقليدية، وكل ذلك والعديد من المسائل الأخرى التي أصبحت تشكل برأيي خصائص ومؤشرات عن فترة انتقالية أساسية جديدة".
واوضح " أن السؤال الأصعب الأكثر إلحاحا يبقى بالنسبة لي: ما هي تداعيات فترة انتقالية من هذا النوع؟ كيف تندرج المشكلات الملحة التي لم يتم التوصل إلى حل لها بعد ضمن هذا السياق؟ وبالتالي ما هي الخطوات التي يمكننا القيام بها للحد من مخاطر هذه المرحلة وهذه القضايا وكيف يمكن لنا تعزيز الفوائد منها إن وجدت في الوقت ذاته؟ أنا أميل إلى الاعتقاد، أن أحد أصعب التحديات التي تطرحها هذه الفترة الانتقالية وفي غياب إمكانات تصريف الجهود نحو مجالات بناءة فان التحدي الكبير يتمثل في الخوف من العودة للغرائز الدينية والطائفية والعرقية أو القبلية البدائية، الأمر الذي من شأنه أن يعزز الانعزال والغطرسة والإحساس بفائض القوة ورفض الآخر. والحقيقة أن النزاعات الأيديولوجية والدينية والعنصرية وكره الأجانب سواء كانت نزاعات كبرى أو محدودة لا تشكل، انعكاسا لصراع الحضارات كما قد يحلو أو يجادل البعض في وصفها، بل هي أنعاكس للعودة إلى منطق الانتماء العرقي والطائفي والقبلي أو حتى إلى مفاهيم الانعزال والتقوقع، كل هذه الأمور من شأنها تغذية وتعزيز توجهات ليس فقط المتعصبين وآفاقهم الضيقة، ولكن أيضا تشجع أولئك الذين يعانون من القهر والشعور بالهزيمة ويتملكهم اليأس و الذين لم يبق أمامهم سوى التعبير عن الرفض والعدوان، ولا سيما وأن التوصل إلى حل مشكلاتهم أصبح غير ممكن عبر وسائل أخرى كالعبور نحو السلام واعتماد منطق الحوار وسيلة لحل المشكلات مثلا".
ورأى " هنا يكمن الخطر الحقيقي. فالافتقار للقيادة والتوجهات الصحيحة وخيبات الأمل التي يصاب بها كثيرون من جراء فشل الأحلام الكبرى وعدم إحراز أي تقدم حقيقي في حل القضايا الملحة، كلها أمور تمهد الطريق للعودة إلى الغرائز البدائية الدينية والعرقية وكره الأجانب و هي التي تمحو عقودا من التطور السياسي والاجتماعي والاقتصادي وتقزمها. وهذه هي الظاهرة المتعددة الأوجه نفسها والتي تمثلت بالعودة إلى الغرائز البدائية والتي شهدنا عددا من مظاهرها في شوارع بيروت والتي نرى مثيلا لها في دارفور واليمن، ولعلها متمثلة بشكل صارخ أكثر في العدوان والحصار والعقاب الجماعي المفروض على شعب غزة والعدوان الإسرائيلي الذي تشهده الأراضي الفلسطينية المحتلة في القطاع وفي المياه الدولية، ليس فقط بحق الفلسطينيين والعرب، ولكن أيضا بحق المدنيين المسالمين على متن أسطول الحرية، والذين لم يحملوا أية نوايا عدوانية".
وقال:" كما أن العودة إلى الغرائز البدائية، تأخذ منحى آخر يأتي هو الآخر كردة فعل على غرائز مماثلة، و منها ما يضع الإسلام في موقع الاتهام، إضافة إلى تشجيع العودة إلى المفهوم الضيق للدولة والتقيد الصارم بالحدود والانغلاق والتي ترى أن التكامل الاقتصادي والانفتاح لم يسببا سوى المشاكل. وتشكل هذه الأوجه المتعددة للعودة إلى الغرائز البدائية التهديدات الحقيقية التي تطرحها أي فترة انتقالية، علما أن هذه التهديدات تؤثر علينا جميعا وتضعنا أحيانا في مواجهة بعضنا بعضا في الوقت الذي نخوض فيه في الواقع المعركة ذاتها في غالبية الأحيان معركة ضد أن نصبح أسرى تقوقعنا في أطرنا الغريزية المطمئنة لنا، سواء كانت طائفة أو قبيلة أو إيديولوجية أو عرقية أو غيرها".
اضاف:"يمكننا قضاء ساعات في مناقشة هذه المسائل المعقدة ومحاولة إيجاد أفضل الردود المتاحة لهذه التهديدات. لكن اسمحوا لي أن أركز على مسألتين تهمنا كلبنانيين وكعرب. في منطقة الشرق الأوسط، موطن الديانات السماوية الثلاث وللأسف مسرح العديد من الحروب التي اتسمت تاريخيا بطابع قومي أو ديني، شكل لبنان، هذا البلد الصغير الذي يضم 18 طائفة مختلفة، نموذجا للتنوع والحرية ضمن إطار الوحدة الوطنية، وذلك لفترة طويلة. فلقد تم في لبنان وضع نظام ديمقراطي يتعامل مع مسألة تعدد الأديان والطوائف، وقد نجح هذا النظام مع تلك المسائل على الرغم من التداعيات الكبرى للحرب الأهلية والتي تسببت بها الصدمات الإقليمية والدولية التي تأثر بها البلد. لقد نجح هذا النظام بشكل دفع بقداسة البابا يوحنا بولس الثاني إلى وصف لبنان أنه ليس مجرد بلد بل هو رسالة. لكن لبنان، هو البلد الذي يشكل تجربة لا تزال تكافح لإثبات نجاحها، فإنها في ذات الوقت تجربة تحتاج لمزيد من التطوير بحيث يمكنها أن تشكل نموذجا في المنطقة. إلا أن مكامن الضعف في تركيبة لبنان السياسية والدينية أدت في الكثير من الأحيان إلى استيراد أو تلقي النزاعات والانقسامات التي يعاني منها محيطه بدل إن ينجح في تصدير مبادئ التنوع والديمقراطية والتسامح لهذا المحيط.لقد ألقت وبشكل خاص القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي والغزو الأميركي للعراق والمواجهة الإيرانية الغربية اخيرا بثقلها على هذه الديموقراطية الصغيرة والمنفتحة والمتعددة حيث حالت عوامل تاريخية مختلفة دون قيام دولة مركزية قوية".
واشار الى "ان تتابع الأحداث التي لم تكن أقل من زلازل سياسية وأمنية، بدءا من اغتيال رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري في شباط 2005 وصولا إلى حرب الاغتيالات التي تلت واستهدفت سياسيين وصحافيين ومثقفين ورجال دين والتي لم تتوقف إلا في العام 2008، و كذلك الحرب المدمرة السادسة التي شنتها إسرائيل على لبنان في العام 2006 ردا على خطف ثلاثة جنود وأدت إلى مقتل وجرح نحو 6000 شخص ناهيك بما ألحقته من أضرار جسيمة في البنية التحتية والاقتصاد، إضافة إلى الحرب ضد الإرهاب الذي كانت وراءه جماعة إسلامية متشددة في شمال لبنان في العام 2007، والأزمة الدستورية، وشبه الانقلاب الذي نفذ ضد الحكومة الشرعية في شهر أيار من العام 2008 وهدد بإعادة البلد إلى الصراع الطائفي، تشكل كل هذه الأحداث بعض التحديات الأساسية التي تواجهنا والتي تمكنا من تخطيها. ولقد نجحنا في الحفاظ على سيادة وديمقراطية وتنوع وحرية بلدنا، ذلك إضافة إلى أننا نجحنا أيضا في تحقيق أعلى معدلات النمو الاقتصادي ليس فقط في التاريخ، ولكن أيضا في المنطقة من حولنا وذلك، في ظل ظروف عالمية مالية واقتصادية أنا على ثقة من أنكم تعرفون مدى صعوبتها تماما".
وقال:" في الواقع لقد شكلت السنوات الـ 60 الأخيرة، وليس السنوات الخمس الماضية فقط، دليلا على قوة النموذج اللبناني، إذ خرجت الديمقراطية وحرية الكلام والتعبير والمعتقد وكذلك النظام الاقتصادي الليبرالي الحر سليمةً من التطورات العالمية والإقليمية والمحلية. إلا أن قوة هذا النظام لم تعن بالضرورة النجاح الكامل، سواء لناحية تطوير النموذج أو لناحية قدرته على إلهام النظم المجاورة له في المنطقة بان تحذو حذوه".
اضاف:" من جهة أخرى فان علينا القول أن نجاح التجربة اللبنانية ليس مضمونا في المستقبل، من دون تضافر الجهود المحلية والإقليمية والعالمية. فعلى لبنان أن يدفع - و هولا يزال يدفع - ليس فقط ثمن ما يتمتع به من محاسن والمتمثلة في الخصائص التي يتميز بها من تنوع وديموقراطية بل أيضا وثمن المشكلات الكبرى التي تعاني منها منطقته وهي أكثر المناطق تعقيدا في العالم على الأرجح. وإن مسيرة نجاح التجربة اللبنانية طويلة وصعبة. لكن لا خيار آخر متاح أمامنا، نحن اللبنانيين، فلا نموذج آخر يستطيع عكس تنوعنا وأهدافنا المشتركة ومصيرنا المشترك. وهي مسيرة ينبغي ألا يكون للمجتمع الدولي بديلا عن دعمها. وحقيقة الأمر أنه في حين أن هناك مسيرة طويلة وصعبة فان البديل، أي فشل النموذج اللبناني، ليس أقل من كارثة ستنعكس تداعياتها ليس فقط على المنطقة بل على العالم بأكمله".
واشار الى "ان فشل لبنان المتنوع والديموقراطي والحر والسيد هو فشل رسالة السلام والانفتاح والتنوع والوحدة والعيش المشترك. ففشل لبنان سيشكل انتصار الرسالة المضادة والرسالة الخاطئة هي القائلة بأن الأشخاص المختلفين حتى هامشيا لا يمكنهم ولا ينبغي أن يشكلوا أمة. وفشل لبنان سيؤدي إلى تمكين الغرائز البشعة التي ذكرتها أعلاه في أحكام سيطرتها وقبضتها . وفشل لبنان هو حقيقة خطوة في الاتجاه الخطأ في عالم يمر بمرحلة انتقالية حساسة وبالغة الأهمية. إن الحقيقة الساطعة هي أن نجاح النموذج اللبناني ليس حاجة لبنانية داخلية فقط، أو حتى حاجة عربية، بل هو أيضا حاجة إسلامية ودولية كذلك. وان نجاح التجربة اللبنانية التي تشكل نوعا من المختبر وانعكاسا للمشكلات التي تعاني منها المنطقة، تحتم التوصل إلى حل عادل ونهائي لإحدى أقدم وأعمق المشكلات المتبقية في العالم والتي هي أم جميع مشكلات الشرق الأوسط إلا وهي القضية الفلسطينية التي لم تحل بعد. أن حل هذه القضية ولا شك هو هدف نبيل بحد ذاته لطالما طال انتظار تحققه وذلك بغض النظر عن نجاح النموذج اللبناني وهذا يأخذني للقضية الثانية وهي التي أود أن أطرحها للمناقشة من خلال مسؤوليتنا المشتركة في هذه القرية العالمية خلال هذه الفترة الانتقالية فهي قضية الصراع العربي - الإسرائيلي".
واوضح" إن المشكلة الفلسطينية هي القضية الأم والمفتاح لمعظم الإقفال التي تحول دون تقريب قلوب وعقول العرب والمسلمين في جميع أنحاء العالم من الغرب. كما أنها الأداة الأساسية لتدمير الجدار النفسي الفاصل بين الشرق والغرب. لذا فهي تشكل الاختبار النهائي لمدى احترام الغرب لقيم الحرية والعدالة والديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، وهي قيم ينبغي تطبيقها عالمياً بعيداً عن أية معايير مزدوجة.فبقاء شعب بلا أرض من دون دولة مستقلة من دون أي أمل أو أفق ليس فقط هو غير عادل بل أيضا لأنه لم يعد مقبولا. لم يعد من المقبول أن يبقى حق الشعب الفلسطيني المشروع رهينة بيد الحكومة الإسرائيلية اليمينية العدوانية، ورهينة ذنب اقترفه الغرب تجاه إسرائيل، أو رهينة الانقسامات والشلل العربي. وإن عدم حل القضية الفلسطينية يشكل مضيعة للموارد ويحول دون التقدم في مجالات الإصلاحات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في معظم دول هذه المنطقة من العالم. وسيؤدي انعدام التقدم هذا، لتوسيع الشرخ مع الشرق ويسهم في تعزيز التباعد عن الغرب كما سيحد من قدرة الشرق على أن يكون الشريك المناسب الذي يحتاجه الغرب في عملية التطور وتحقيق الازدهار المشترك. كما أن عدم حل القضية الفلسطينية سيؤدي أكثر فأكثر إلى مصادرة هذه القضية من قبل المتطرفين والأصوليين وأولئك الذين ينقادون وراء الغرائز القبيحة التي ذكرناها أعلاه. ويتم استخدام هذه القضية كورقة مساومة وتتلاعب بها القوى الإقليمية المتنامية وكذلك الدولية باعتبارها وسيلة لحجز مقاعدها وتعزيز مجالات تأثيرها في النظام الجديد. وإن المزج بين القضية الفلسطينية والقضايا الأخرى التي تعاني منها المنطقة يخدم بالضبط مصلحة أولئك الذين لا يريدون التوصل إلى حل عادل للقضية الفلسطينية المحقة، وهذا هو مثال بارز لكيفية تطابق مصالح المتطرفين أحيانا ودونما اتفاق (الذين يفترض إن ينتموا لإطراف متعارضة).أضف إلى أن عدم حل القضية الفلسطينية يهدد بدفع هذه المنطقة الساخنة أصلا نحو مزيد من التعبئة الشعبوية وهذه التعبئة الشعبوية، تشكل منحدرا قويا نحو مزيد من الراديكالية و بما يعزز الابتعاد عن قيم الاعتدال والانفتاح ويؤدي بشكل أكيد إلى مزيد من العنف ويرفع من خطر اندلاع الحرب. في هذا السياق، فان عدم حل القضية الفلسطينية يشكل نكسة كبيرة في عالم يمر بمرحلة انتقالية حساسة ويزيد المخاطر التي تترتب عن ذلك".
واكد انه "من المهم أن ننجح، فبديل النجاح ليس الفشل فقط بل هو أسوأ بكثير، فالفشل يعني التفكك والنزاع واندلاع الحروب. وهذا الأمر يعنينا جميعا، عربا وأوروبيين، لبنانيين وألمان، ليس فقط سياسيا بل اقتصاديا أيضا".
وقال:" في الواقع أجد أنه من المثير للاهتمام أن يكون لكل من لبنان وألمانيا دور هام يضطلعان به في محاربة ما أسميته، خطر العودة إلى الغرائز البدائية، وإن كان ذلك بطرق مختلفة.فلبنان وألمانيا قد شكلا نوعا من النموذج كل في منطقته.فلبنان يستطيع ، وعليه أن يشكل نموذجا للديموقراطية السياسية والتنوع الديني ضمن وحدة وطنية، نموذجا لا بد من الحفاظ عليه وصيانته لأنه أصبح سلعة نادرة ليس فقط في المنطقة لكن وحتى أيضا في العالم أجمع.وفي ذات المضمار فان لألمانيا كذلك دورا هاما يمكنها الاضطلاع به في ضمان نجاح التجربة الأوروبية لناحية التكامل والوحدة الاقتصادية".
ضاف:" لقد أعادتنا هذه الأزمة المالية والاقتصادية الأخيرة إلى أهمية العودة للتمسك بالمبادئ والقواعد الأساسية والمتمثلة: بالحيطة والرصانة المالية، والمسؤولية النقدية، وعدم الابتعاد وعدم الخوف من ولوج باب الإصلاحات وخاصة الإصلاحات الهيكلية والعمالية، والتنبه إلى حقيقة أساسية وهي أن الإصلاح هي مسار عمل وليست وجهة بحد ذاتها نصل إليها ونتوقف عندها . ولقد أظهرت التطورات الأخيرة في أوروبا أن لضمان نجاح التجربة الأوروبية فان على الدول الأوروبية الأخرى التشبه أكثر فأكثر بألمانيا لناحية ثقافة العمل والانضباط، والأهم الالتزام بالإصلاحات التي تعزز الإنتاجية. لذلك فان على ألمانيا أن تضطلع بالتالي بدور في هذا المجال. فالاستسلام في أوروبا لغرائز الانعزال والتقوقع في هذا الإطار سيشكل نكسة كبيرة وانهيارا خطيرا للنموذج الأوروبي الهام والذي شكل نقطة ارتكاز رئيسية لطموحاتنا وتطلعاتنا نحن كعرب، ولكن أيضا لنا كدول عربية تتطلع لفتح اقتصاداتها والعمل على تحقيق الاندماج فيما بينها على الصعيد الإقليمي و كذلك على الصعيد العالمي".
واوضح "لدينا جميعا مصلحة مباشرة ومسؤولية مباشرة في إعلاء صوت الاعتدال و نشر ثقافة وممارسات التسامح في لبنان وفي المنطقة العربية وكذلك مع أصدقائنا في أوروبا والعالم من خلال الدفع قدما إلى الأمام بالحلول العادلة والقابلة للحياة ، الحلول التي من شأنها عزل المتطرفين، والشروع بمرحلة من الإصلاحات السياسية والاقتصادية التي يحتاجها العالم العربي من اجل أبنائنا وأجيالنا وكذلك من أجل العالم بأسره".مشددا على "إن المسيرة طويلة ولن تكون سهلة. لكن المستقبل يعتمد على الخطوات الجريئة والحاسمة التي نقوم بها اليوم. علينا أن نساعد أنفسنا ونساعد بعضنا الأخر للتغلب على الخوف ونتغلب على ميلنا نحو الانكفاء على قوقعتنا التي نرتاح فيها واليها سواء كانت دينية أو عرقية أو قومية والتغلب على الظلم. انه ومما لا شك فيه إن من مصلحة العالم على المديين المتوسط والطويل إن ندفع باتجاه التوصل إلى حلول حقيقية وعادلة ومستدامة للمشكلات المستعصية بما يحقق السلام ويعززهن السلام القائم على قبول الأخر والمستند إلى فهم الأخر وتفهم هواجسه ومخاوفه وتطلعاته وبما يعزز التعاون والانفتاح ويحقق الازدهار. والأمر عائد إلينا كمثقفين وكمسؤولين من أي موقع أو سلطة نحن فيه، علينا قيادة الجهود والبحث عن القواسم المشتركة لمستقبل البشرية جمعاء". وختم:" أشكركم على اهتمامكم اليوم، وأنا أتطلع لمناقشة حية ومثيرة للاهتمام.
ثم دار بين الحضور والرئيس السنيورة حوار تناول شؤون المنطقة ولبنان دام اكثر من ساعتين.
