الرئيس السنيورة : المحكمة الدولية لا يعطلها اسقاط الحكومة

كتب محرر الجريدة : يكتسب اللقاء مع رئيس الوزراء اللبناني السابق فؤاد السنيورة نكهة خاصة. فهذا الرجل الذي كان على رأس الحكومة في احلك الظروف السياسية والأمنية التي مرت على لبنان منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري، لا يزال على صلابته المعهودة ومرونته الحازمة بالرغم من الحملات عليه والتي وصفها بأنها من "صنع خيال جموح".
"الجريدة" التقت السنيورة على هامش اجتماعات مجلس العلاقات العربية والدولية في الكويت، وهنا نص الحديث.:
س :ما هي خلفيات الهجوم الأخير على "تيار المستقبل" وعليك تحديداً ؟ هل هي حملة لكسر أو تفتيت "المستقبل"؟
ـ أعتقد أن هذا مسعى يحاول البعض من خلاله تركيب أخبار وشائعات، فعلياً كل ما حوته هذه الأخبار هي من صنع خيال جموح، يود كاتبها لو كان ذلك صحيحاً. كل ما كتب كان منافياً للحقيقة في كل شيء. هناك رغبة في النيل من "تيار المستقبل" والعلاقة القوية التي تربطني برئيس الحكومة سعد الحريري.
س : هل تزعجك تسمية "عراب صقور" المستقبل التي يطلقها خصومك عليك؟
ـ هناك قول للمتنبي استشهد به دائماً وهو: "وحالاتُ الزّمانِ عَلَيكَ شتى وحالُكَ واحدٌ في كلّ حالِ". موقفي لم يتغير، الموقف الذي يحكم تصرفنا ينطلق من مبادئنا.
س : هل هناك فرق بين التوجه المرن لقيادة "المستقبل" برئاسة الرئيس الحريري وبين جمهور "المستقبل" الذي لم يتمكن بعد من مواكبة التحول؟
ـ بفترة من الفترات طغت عبارات ربما شكلت توجهاً معيناً، وأحيانا كانت ناجمة عن ردود الفعل. أنا أقول ان علينا أن نرجع دائما إلى الاساسيات، وبالتالي في هذا الموضوع نرى أن جمهور المسقبل وقيادته لا يزالان على الموقف نفسه.
س : في العلاقة مع سورية؟
- جوهر العلاقة مع سورية ينطلق من مسلمة أساسية، أن لبنان وسورية بلدان جاران في الجغرافيا متماثلان بالتاريخ وايضا فيهما مصالح حقيقية اقتصادية واجتماعية لا يمكن فصل الواحدة عن الأخرى. بالتالي ربما خلال مرحلة زمنية معينة كانت هناك أمور عكرت العلاقات، لكن علينا الرجوع إلى المبادئ التي اتصفنا بها خلال كل المرحلة القومية التي مررنا بها، لبنان وسورية بلدان يتعاونان لكن يجب ان تكون العلاقة مبنية على الاحترام الصحيح والسليم لاستقلال البلدين وان يُبنى بينهما علاقة مبنية على التكافؤ في العلاقات. بالتالي في مرحلة معينة سادت ألفاظ وممارسات معينة واعتقد أن البعض اخطأ فيها وهي وقعت من الطرفين، أعتقد أن الموقف الوطني والقومي يقتضي ان تتم المراقبة بناء على احترام حقيقي لسيادة واستقلال لبنان، على اللبنانيين ان يعتادوا على مبدأ الاستقلال وكذلك الاخوان السوريون، ندرك أهمية التحديات التي نواجهها كلانا، إن كان على صعيد المواجهة ضد اسرائيل أو على صعيد التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وهنا لا بد لي من الاستطراد الى موضوع المحكمة. فلا يمكن لمجتمع ان ينهض أو لبلد أن يواجه التحديات إذا لم يكن هناك تأكيد على مبدأ العدالة، باختصار استذكر قول كان يردده والدي "الظلم إن دام دمر والعدل إن دام عمر"، لا يمكنك بناء بلد قائم على شعور بالظلم، لبنان عانى من الاغتيالات السياسية على مدى 50 سنة وهذا ما دفع اللبنانيين خلال الأشهر الأولى بعد اغتيال الرئيس الحريري إلى سلوك طريق المحكمة ذات الطابع الدولي، لأنه لم يكن لدى اللبنانيين قدرة على اكتشاف أي من الجرائم التي ارتكبت في الماضي.
س : ماذا تتوقع أن ينجم عن التحقيق الدولي؟
ـ أوكلنا هذا الامر إلى المحكمة، أولا هذه المحكمة تتمتع بقدر عال من الشفافية ومن الافصاح، ليست محكمة في غرف مغلقة، فيها تحقيق وادعاء وهذا الادعاء قبل أن يصبح ادعاءً يعبر بقاضي ما قبل التحقيق ثم القرار الاتهامي، المهم أن لا نترك هذا الموضوع نهباً للتوقعات والتبصير ولمحاولة توجيه الاتهامات إلى هنا وهناك.
س : هل هناك قضية شهود زور؟
ـ ما يقال عنه انهم شهود زور يختصر في أربعة اشخاص، الأول هارب(محمد زهير الصديق) ولم يعد موجودا بالمفهوم التعريفي لشهود الزور، هو أصبح متهماً وهناك دعوى مقامة عليه في القضاء اللبناني.
ـ هناك اثنان معتقلان في لبنان، بعدما جرى الاستماع لهما تبين أنهما "خفيفا العقل" أو تحركهما الاغراض المادية، أما الرابع فموجود في سورية.
سيتضح من هم شهود الزور بعد صدور القرار الاتهامي، سيظهر من هم المتهمون ومن هم شهود الزور. على شاهد الزور كي يكون شاهد زور أن يكون قد أدلى بإفادته وهو تحت القسم وعند المحقق الدولي، هنا نرى أن لا احد من اولئك ينطبق عليه هذا التعريف لموضوع شهود الزور ، لا يعني ذلك انه ليس ممكنا وجود شهور زور، لا يُعرف شاهد الزور إلا بعد صدور القرار الظني.
س : متي تتوقعون صدور القرار الظني؟
-لن يقدم المدعي العام إلى تقديم قراره إلا عندما يستكمل ملفه، المدعي العام سيقدم تقريره عندما يكون جاهزاً، أنا اعتقد انه ليس لاحد أن يتدخل وليس لأحد القدرة على التدخل.
س : كيف تنظر إلى الضغط الذي يمارسه حزب الله على المحكمة وما تقييمك للمراحل التي مر فيها وما هي توقعاتك للخطوات المقبلة؟
ـ ليس خفيا ان هناك من يتعرض للمحكمة بقصد الغائها. أجد أن هناك صعوبة إن لم يكن استحالة ان يعرف احد مسار التحقيق، ولم يعد بامكان اي أحد ان يعرف هذا المسار، المحكمة حقيقية قائمة وليست خيال.وهذا الأمر سيستمر بالرغم من أن هناك من لا يعجبه ذلك أو من لا يرغب بذلك لاسباب تخصه. والطريقة المثلى للتعامل مع هذا الموضوع هي العودة إلى الامور الحقيقية والديمقراطية والحقائق التي يمكن أن يصار إلى تسخيفها أو نفيها من خلال وقائع أو من خلال تقديم معطيات جديدة.
س : هل لبنان يتأرجح بين الفتنة والعدالة؟
ـ لا أعرف لماذا نريد ان نضع أنفسنا في هذا الموقف. أنا أعتقد أنه ليس هناك حالة ممكن ان تستمر إذا كانت قائمة على ظلم او على شيء يقصد منه السيطرة.
س: هل هناك امكانية لاسقاط الحكومة؟
انا اعتقد انه ليس من مصلحة احد اسقاط الحكومة. فالاطراف جميعاً مشتركون في هذه الحكومة.
س : ماذا عن اسقاط الحكومة لتعطيل المحكمة؟
المحكمة لا يعطلها اسقاط الحكومة، كل الفرضيات التي يمكن ان يتقدم بها البعض لا تؤثر على المحكمة.
وحسنا فعل الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله بتقديم المعطيات، كل معطى او تحليل او قرينة أو احتمال او معلومة يمكن ان يتقدم بها احد لانارة التحقيق أو توضيح مسار التحقيق يجب ان يؤخذ بها، ويجب ان تستنفد كل تلك الاحتمالات. نحن ما نريده هو الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة. هل تفترض ان اللبنانيين واهل الشهداء يقبلون ان يستبدل مجرم بشخص اخر بريء لا علاقة له.
ليست القضية محصورة في ان تحدد المحكمة من قتل رفيق الحريري وغيره من الشهداء بل ان تمنع من ان يستمر لبنان بلدا ترتكب فيه الجرائم ويستمر من ارتكب تلك الجرائم بعيدا عن ايدي العدالة. هذا من جوهر حماية لبنان، حماية الحريات في لبنان، حماية قول اللبناني لرأيه دون ان يصار الى ملاحقته.
س : ارست القمة الثلاثية في بعبدا نوعا من المظلة الامنية التي تحول دون التصعيد، فهل هذه المظلة قادرة على اطالة مدة التهدئة ام نحن كما قيل في "هدنة رمضان" ليس الا؟
- تعودنا في لبنان على اعطاء مواعيد للتفجيرات والتوترات. منذ 1975 عاش اللبنانيون في هذا الهاجس. دعونا نعود الى الاساسيات هناك علاقات عربية-عربية متوترة لعدة اسباب. يجب ان يسود العلاقات العربية- العربية شيء من الانفتاح والود. لبنان اكثر بلد عربي مستفيد من مرحلة الوئام العربي واكثر بلد عربي يتعرض ويخسر ويصبح الأمن والاستقرار فيه معرضين عندما تحدث خلافات. تركيبة لبنان قائمة على توازنات دقيقة وعلى التأثر الكبير بالصدمات الداخلية او الخارجية الاتية من عدد من الاسباب في المنطقة.
مصلحتنا كلبنانيين ان نعزز كل توافق عربي. اعتقد ان مبادرة الملك عبدالله بن عبدالعزيز في قمة الكويت كانت جيدة جداً، واخذ قرارا تاريخيا بمحاولة رأب الصدع في الموقف العربي.
س : ماذا قرأت في الزيارة المشتركة للرئيس الأسد والملك عبدالله إلى بيروت؟
الزيارة المشتركة بين الملك عبدالله والرئيس الاسد الى بيروت تقول اننا لسنا مختلفين حول لبنان وحريصون على استقرار لبنان وحريصون على ان يصبح الموقف العربي اكثر تآلفاً.واعتقد انه تم الاتفاق على مبادئ اساسية ستحترم بالمحصلة. وستكون مستمرة من خلال الصيانة. بالاضافة إلى ذلك، علينا ان نأتي بأعضاء جدد للانضمام الى الموقف السوري السعودي. ومن اهم ما يمكن تحقيقه في هذا المجال هو انضمام مصر، لأن مصر بثقلها وتاريخها وبدورها قادرة على ان تلعب دورا اساسيا لتعزيز الاستقرار في القضايا العربية وبالتالي تمكّنا من تعبئة الفراغ الذي نشأ بسبب حالة الفرقة العربية.
س : فراغ او توازن مع العامل الايراني؟
- ايران على حدود هذه الامة وقوة اساسية في المنطقة لا يمكن اهمالها او نسيانها او عدم التعاطي معها ولا يجوز ان نواجهها ولا ان نخضع لها.وأنا قلت موقفي بصراحة. نحن بحاجة الى مصالحة تاريخية بين العرب وإيران، هذه العلاقة التي عمرها 1500 سنة تخللها جموح من هنا وجموح من هناك ، نحن بحاجة الى ان نضعها في اطارها الصحيح، إيران على حدودنا، بيننا وبينها تاريخ كبير، هناك مصالح يجب ان نرعاها. كلانا يواجه بتدخلات اجنبية بالاضافة الى الموقف الاسرائيلي ضد العرب وايران والمسلمين وبالتالي علينا النظر الى كل ما يجمعنا، لكن بنفس الوقت يجب ان يبنى ذلك على الاحترام وعدم التدخل وعدم محاولة ملء فراغ قد نشأ من هناك او هناك.
كذلك علينا تنظيم بيتنا العربي برص صفوف الدول العربية. لكي تتحدث مع جيرانك واصدقائك باقتدار، وايضاً لتستطيع ان تقف في موضوع المفاوضات مع اسرائيل باقتدار. لا يمكننا التفاوض مع اسرائيل ونحن مشرذمون، وهذا ما تسعى اليه اسرائيل، التفاوض "بالحبة" والفصل بين العرب.
س : يف تنظر الى المفاوضات المباشرة بين اسرائيل وفلسطين؟
-كانت اسرائيل تقول انها لا تقبل الدخول في اي مفاوضات بشروط مسبقة، لكنها وضعت شروطا مسبقة. اعتقد ان الرئيس عباس يجب ان يكون واضحاً، والعرب قالوا كلمتهم ولا يستطيعون ان يقدموا تنازلات اضافية. يجب ان يصير هناك تقدم نحو السلام وهذا امر نسعى اليه بجد وبموقف حاسم، على اساس المبادرة العربية عام 2002، اذا لم يحصل تقدم يبقى لدينا سلاح الموقف.ويجب عدم الاستهانة بسلاح الموقف والتمسك بالحقوق العربية التي تحدثنا عنها في مؤتمر مدريد وفي المبادرة العربية، وليس هناك امكانية بعد للتنازل اكثر من ذلك.
س : زيارة الرئيس أحمدي نجاد للبنان هل تعتبر ايجابية او سلبية في هذه المرحلة؟
-كيفما نظرنا الى الامور يمكن ان ينتج عنها شيء من الايجابية، من الجيد ان يستمع نجاد إلى اراء المسؤولين اللبنانيين وان يرى الامور على حقيقتها. من خلال هذه الزيارة الكل يصير بامكانه معرفة موقف الآخر.
س : لوحظ في الفترة الاخيرة تراجع في ثقة اللبنانيين، ولوحظ استياء السياح الخليجيين في هذا العام من الخدمات عموماً، ما تعليقكم؟
-هناك متغيرات تعتبر بين الحين والاخر من خلال التجارب التي تمر بها الدول ومن خلال المحن التي تتعرض لها، لكن تبقى هناك حقائق اساسية، مثلا كيف يمكن استعمال الموارد الاقتصادية في بلد معين بالطريقة الامثل لتحقيق مكاسب لأهل هذا البلد من خلال تحسين مستويات الدخل وزيادة الناتج المحلي وتحقيق النمو والتنمية المناطقية. وهذا السؤال الازلي في العالم كيف تجمع ما لديك من موارد اقتصادية، من عمال وموارد طبيعية ووقت وتكنولوجيا ومعارف وكيف تخلطهم بالمقادير التي تتلاءم معك.
نحن في لبنان علينا ان ننظر في كيفية تحقيق نمو اقتصادي، عندنا الانسان اللبناني هو أهم عامل من عوامل الانتاج في مرونته ومبادراته وقدرته على التفكير والاختراع وتجميع عدة عوامل ليصل الى نتيجة. هناك أيضاً عامل الثقافة، فاللبناني يعرف لغة عربية ولغات اجنبية، بالاضافة إلى صلتنا بالعالم، وانفتاحنا، وحريتنا، وتعاملنا الاقتصادي والسياسي، كل هذه عوامل يجب ان نستفيد منها، مرت علينا ظروف في منتهى الصعوبة منذ العام 1975 وبالتالي لم نتمكن من بناء مؤساستنا بالشكل السليم، وبالرغم من الحروب والاغتيالات وتأثرنا بالازمة المالية العالمية، تمكن لبنان خلال سنوات 2007، 2008، 2009 من تحقيق اعلى نسب نمو في تاريخه.
س : ماذا عن جدل الكهرباء؟
-لا يوجد وقت نضيعه في موضوع الكهرباء، آن الاوان لاتخاذ قرارات سريعة والاعتماد من اجل البدء ببناء طاقات جديدة اكان ذلك من خلال الدولة او القطاع الخاص، وكلاهما نحن بحاجة اليهما. علينا الاعتماد على التمويل الاتي من الصناديق العربية.
س : قبل اقرار الموازنة؟
-حتى قبل اقرار الموازنة، نحن بحاجة للموازنة من اجل بعض المشاريع، لكن المشاريع الاساسية اعتقد اننا قادرون على تمويلها من الصناديق العربية.
س : ماذا عن التعاون العربي؟ وفكرة الوحدة الاقتصادية العربية؟
-بين الدول العربية هناك الكثير من الجوامع وايضا اختلافات. سيظل هناك اختلافات في وجهات النظر، وما المانع من الكلام عن الوحدة الاقتصادية العربية؟. وهنا تكمن أهمية المبادرة التي قام بها سمو امير الكويت في القمة الاقتصادية العربية منذ 18 شهراً لتقريب هذه الرؤية.
