الرئيس السنيورة : عملان علينا أن نقوم بهما، الصمود في وجه العواصف والثبات على المبادئ الأساسية وبناء الإرادة الوطنية التي تصنع المجتمع المتماسك والدولة القوية

-A A +A
Print Friendly and PDF
العنوان الثانوي: 
حفل عشاء حاشد على شرفه اقامه تيار المستقبل في مطعم ماروش غاردن في لندن

اقام تيار المستقبل في بريطانيا مساء امس  الاحد  مأدبة عشاء على شرف رئيس كتلة المستقبل النيابية الرئيس فؤاد السنيورة في مطعم مروش غاردن في لندن بحضور حشد كثيف من الجالية اللبنانية واعضاء تيار المستقبل. في بداية اللقاء تحدث امين سر التيار في بريطانيا الدكتور باسل الاسطه فنوه بموقف وتضحيات الرئيس السنيورة خلال توليه سدة المسؤولية وفي الفترة الحالية على راس كتلة المستقبل .

ثم تحدث الرئيس السنيورة وفي مايلي نص كلمته: 

نجتمع اليوم في لندن على مسافة أيام من احتفالنا بالذكرى السابعة والستين لاستقلال بلدنا عن الوصاية والانتداب الأجنبي، لكن ما يميز هذا المناسبة في هذه الأيام هو قناعتنا أنّ هذا الاستقلال الذي مر عليه أكثر من ثلثي قرن ما يزال حالة بحاجة للإثبات اليومي والتأكيد عليه والدفاع عنه. وهذا ليس لأنه لم يحصل ولم يتحقق، بل لأنه ما يزال يواجه تحدياتٍ مصيرية، ناجمة عن تعقُّد مشكلات المنطقة وتداعياتها على بلدنا، وناجمة أيضاَ عن غياب الإرادة الجامعة لدعم عملية إقامة الدولة في لبنان وهي العملية التي شابتها وما تزال نقاط ضعف كثيرة.

لقد نلنا استقلالنا قبل منتصف القرن العشرين، ونحن اليوم في نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، لكننا على الرغم ذلك ما نزال نشعر أن استقلالنا في هذا البلد الصغير بمساحته، الكبير بطموحات أبنائه، ليس متينا بما يكفي أو كما نريد ونأمل، وما تزال الأطماع في ديارنا قائمة، وما يزاللبنان يشغل بال البعض الذين يفكرون بإخضاعه أو وضعه تحت السيطرة مستفيدين من تنوعنا والاختلاف في الآراء والرؤى فيما بيننا. ولذا فان لبنان يدفع من جهة ثمن تميزه وتطوره ومن جهة أخرى ثمن حفاظه على التنوع الذي يعود عليه  بالغنى وبالحيوية وروح المبادرة .

إخواني أخواتي،

أيها الحفل الكريم،

مما لاشك فيه أن السؤال الذي يشغل بالكم وبال كل لبناني ولبنانية مقيماً كان أم مغترباً هو إلى أين المصير؟ والى أين يسير لبنان؟ وما هي حقيقة الشائعات والأقاويل التي تروج عن هذا السيناريو أو ذاك؟ بل إن بعضكم يسأل هل حقيقة أننا سنعود إلى دوامة العنف؟ وإلا لماذا تطلق التهديدات والتهويلات اليومية وتوزع الخطط وتنشر الشائعات؟

 قبل أن أتطرق إلى هذه الهواجس دعونا نتأمل في المشهد الكلي، أي في محيطنا العربي والإقليميوالدولي، قبل أن نعود إلى الحديث عن لبنان وشؤونه وشجونه.

ودعوني أصارحكم القول أن الصورة الإقليمية والدولية ليست وردية، أو زاهية الألوان، فكيفما أنعمنا النظر من حولنا نجد ما هو مثير للقلق أو ما يدعونا للتنبه.

فالعالم ككل لم يزل تحت وطأة الأزمة المالية العالمية التي بدأت في الولايات المتحدة الأمريكية وانتقلت إلى باقي الدول التي أصيبت اغلبها بتأثيراتها، حيث تحولت من أزمة مالية إلى أزمة اقتصادية، بدأت تصيب أوروبا ببلدانها بشكل منفرد وفي تجربتها بشكل كلي. فبالأمس كانت اليونان واليوم ايرلندا ، وربما في الغد دول أخرى.

وأما بالنسبة لعالمنا العربي رغم انه لم يعش التأثيرات التي عاشتها الدول الغربية، لكن في النهاية طالته تأثيرات كثيرة ومتعددة أثرت على مسار النمو والازدهار فيه. فالعالم كما نشهد بات قرية كونية متصلة مترابطة ومتأثرة بعضها ببعضها الأخر.

صحيح أن الآفاق لا تحمل مؤشرات محددة بعينها، لكن التجارب علمتنا أن العالم حين يمر بظروف مماثلة لا يخرج منها دون خضات وتأثيرات وآثار وممارسات سلبية نرجو أن تكون مع بداية هذا القرن الجديد محدودة محصورة وغير منتشرة. لكن القلق والارتباك العالمي واضح وجلي وليس آخر مظاهره حرب العملات التي يمكن أن تنتشر وتتوسع وتطال أَوجُهاً أخرى. وهذا بطبيعة الحال يؤثر وينعكس على الحركة السياسية. وإذا كان الحلف الأطلسي قد توصل بالأمس إلى اتفاق على الدرع الصاروخي، لكنها حقيقة تدعونا إلى التنبه إلى مخاطر تتصل بمنطقتنا، إذ أنّ النقاش حول استهدافات هذا الحلف كانت علنية وواضحة، وليست مخفية ومستترة.

الحفل الكريم،

أيها الأصدقاء،

ليس خافيا أن محيطنا العربي يزدحم في هذه الأيام بعناوين الأزمات والانقسامات والحروب وعلى وجه الخصوص بعد أن ابتعدنا في سياساتنا وممارساتنا عن الاهتداء بالمصالح القومية الحقيقية الثابته والمخلصة لمنطقتنا والتي لا ولا يجوز أن تتعارض مع مصالح إي من دولنا العربية. ذلك مما سمح بان تطفو على السطح وتتصاعد النزاعات والخلافات والظواهر السلبية، من طائفية  ومذهبية وعرقية واثنيه ومناطقية وجهوية . فالسودان على قاب قوسين من استفتاء مشوب بالقلق لنتائجه المنتظرة والتي ستترك أثرا سلبيا كبيرا على امتنا، واليمن يكاد يدخل في لجة الحرب الأهلية، والعراق لم يستعد دولته ويكاد يخسر تماسك مجتمعه ووحدته، أما فلسطين فتبدو من هنا بعيدةً بعيدةً، على وجه الخصوص في ظل مُضِيِّ الحكومة الإسرائيلية الحالية في سياسة الاستيطان والتهويد والتفرقة العنصرية ونفي إمكانيات السلام وتصعيبها، أما باقي الدول العربية فإنها إما مرتبكة أو أنها ليست مرتاحةً حتّى لا نقولَ أكثر.

من هنا فإنّ المحيط الذي يعيشفيه بلدنا نراه مرتبكاً ضاجاً بالأزمات والحروب والمنازعات بعدما أدى التدخل العسكري الأمريكي وفشله في العراق إلى المزيد من التعقيدات والتدخلات والذي أسفر في المحصلة عن تدمير هذا البلد الزاخر بالإمكانات والقدرات. كل ذلك ساهم في إفساح المجال أمام قوى عديدة للتفكير في سد الفراغ الناجم عن هذا الوضع المستجد وقبل ذلك وبعده نتيجة الغياب العربي المدوي. فكما أن الحكومة الإسرائيلية تضرب اليوم بعرض الحائط كل المساعي العاملة من اجل السلام ومحاولات التوصل إلى حلول دبلوماسية، كذلك فإنّ الانسحاب من العراق بعد الفشل الذي مُنِيَ به المشروع الأميركي نتيجة للاحتلال الجائر وغير المبرر لهذا البلد أفسح المجال أمام المحيط الإقليمي للعراق للدخول في تنافس على النفوذ الذي من شأنه أن ينعكس على المنطقة ككل ولا سيما أيضا وأيضا بسبب الغياب العربي.والمفارقة المؤلمة أننا قد أصبحنا كعرب موضوعين على الطاولة الدولية يعملون ويمعنون فينا تقطيعا وتشريحا، وذلك بدل أن نكون نحن جالسون إلى الطاولة نشارك بفاعلية واقتدار في كل ما يتعلق بمنطقتنا ويؤثر فيها وفيما يتعلق بالعالم من حولنا .

أيها الإخوة والأخوات ،،

عمليا نحن الآن في مرحلة انتقالية لم تستقر فيها موازين القوى في المنطقة وعلى المستوى الدولي أيضاً، حيث يشهد العالم تنافس قوى ومجموعات وتجمعات جديدة دخلت وتدخل إلى الساحة الدولية. ولهذه الأسباب فان علينا أن نعي إلى انه وعند النظر إلى أوضاعنا اللبنانية فانه يجب أن ندرك الحاجة إلى أن تكون لدينا رؤية وقراءة شمولية لكافة العوامل الإقليمية والدولية المؤثرة.  فبلدنا في المحصلة يتلقى تأثيرات ما يجري من حوله.ولذلك فان الواجب يدعونا إلى أن نتخذ الحيطة والحذر من اجل تخفيف الانعكاسات الإقليمية والدولية على لبنان. ولهذا وفي مراحل كهذه فانه يتوجب علينا وحماية لنا ولمصالحنا الوطنية العودة للتمسك بالثوابت والأسس التي قام عليها بلدنا. أقول هذا الكلام وأنا أدرك معكم ذلك القدر الكبير من الهواجس الذي يعتمل في نفوسكم وتواجهونه وتعيشون في ظله. لقد علمتنا الأيام والتجارب انه وعند الأزمات فانه ينبغي علينا العودة إلى القواعد الأساسية والأسس التي سبق أن انطلقنا منها لكي لا نضيع ونغرق في التفاصيل والجزئيات التي تحجب عنا الرؤية إلى الأمام بوضوح أو قد تمنعنا من التمييز بين المهم والاهم . لذا فلنعد إلى الأساسيات وهي برأينا:

  • التمسك بلبنان وبسيادته واستقلاله وطناً نهائياً لكل اللبنانيين. لبنان العربي الهوية والانتماء. والعروبة التي نؤمن ونناضل من اجلها هي العروبة المنفتحة تجاه الآخرين و التي تأخذ بكل وجهات النظر وتتفاعل وتتعاون مع غيرها . العروبة المنفتحة والمتقبلة للأخر، وليست العروبة الشوفينية والايدولوجية المنغلقة أو العسكرية أو الدينية. العروبة المؤمنة بالنظام الديمقراطي والدولة المدنية.
  • التمسك بلبنان القائم على العيش المشترك الإسلامي - المسيحي على أساس المناصفة التي اقرها اتفاق الطائف والقبول بالتنوع   ضمن الوحدة وقبول الأخر والابتعاد عن أي نوع من أنواع العنف وسيلة لتسوية أي اختلاف في وجهات النظر .
  • التمسك بلبنان النظام الديمقراطي البرلماني الذي فَصَّله الدستور، والقائم على مبدأ تداول السلطة عبر التغيير السلمي .
  • التمسك بالمساواة وأحكام العدل ومعايير الكفاءة والمحاسبة الشفافة وباحترام الحريات العامة والخاصة وبسط سلطة وسيادة الدولة وحكم القانون.
  • أما على المستوى العربي فان المصلحة الوطنية في لبنان وكذلك في العالم العربي تقتضي أن نعمل من اجل إذكاء الروح العربية الموحدة الجامعة المنفتحة على الجميع وهذا هو السبيل الوحيد لمواجهة الانزلاقات الخطيرة نحو المذهبية والطائفية والدولة غير المدنية والشوفينية والعرقية والتقسيمية. فلو أننا استخلصنا من التجارب  التي كانت لدينا ولغيرنا في القرن الماضي الدروس المناسبة لكنا ربما عدلنا في مساراتنا واتجهنا نحو الطريق الصحيح فبعد تجربة الوحدة العاطفية التي لم نعمل حقيقة من اجل الاستفادة من دروسها والبناء على خصوصيات دولنا، فكان ذلك الفشل الكبير والتراجع والإحباط والانزلاق نحو ما نحن عليه الآن من تخبط وخلافات . لذلك فانه لا بد من العودة لصياغة توجهات قومية عربية تأخذ بعين الاعتبار السلبيات التي وقعنا بها من التجربة المصرية السورية إلى التجربة المصرية اليمنية إلى التجربة في العراق إلى التجربة اللبنانية السورية لنبني صروحا جديدة من التعاون فيما بيننا، في التجربة القائمة على المصالح المشتركة والواعية لخصوصيات دولنا وأقاليمنا والمستجيبة لكل الاعتبارات والمستندة إلى ما يجمع فيما بيننا والمستفيد. من التجارب الناجحة كتجربة الاتحاد الأوروبي الماثلة أمامنا.

كان يجب علينا ومنذ سنوات عديدة أن نقف ونقول بصراحة ،أنه كانت هناك أخطاء وعلينا العودة إلى الأسس مع الاستفادة من التجارب التي نجحت وتنجح في العالم عبر التقارب الاقتصادي والمبرمج لا عبر الشعارات الرنانة والخطب الطنانة واللغة العاطفية الشمولية التي يعتمدها البعض ويرفعها شعارات وان كان لا يؤمن بها حقيقة. عبر العمل العربي المشترك بين دولنا المستقلة والمتعاونة لما فيه خير شعوبنا العربية.

أيها الأخوة والأخوات،

من هنا وفي العودة إلى لبنان راهنا يهمني أن أوضح ، إننا احتكمنا في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري للوصول إلى العدالة والحقيقة، إلى المحكمة الدولية الخاصة بلبنان أملا بالعدالة وليس للانتقام أو اخذ الثأر. ولهذه الأسباب فإننا نعيد اليوم التأكيد على أن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان هي الوحيدة المخولة كشف الحقيقة وهي الوحيدة المخولة تحديد ما يسمى بشهود الزور وإحالتهم إلى المحاكمة إذا ما ثبت وجودهم إثر صدور القرار الاتهامي. كما أننا  لا نقبل أن نوضع في الموقع الذي علينا أن نختار فيه بين العدالة من جهة والأمن والاستقرار من جهة ثانية .إن اللبنانيين وعبر نضالهم الطويل لا يرضون إلا بالعدالة والأمن والاستقرار معاً.

ليست الأُمور سهلةً اليومَ، وما كانت كذلك من قبل. ولقد فوتْنا الكثير من الفُرَص، فزاد ذلك من تفاقُم المشكلات. ولقد صمدْنا و نحن نستطيع وعلينا الصمود أكبر وأكثر. لكنّ المشكلات التي نُعانيها وتؤدي إلى غيابَ الدولة، وتضعْضعُ المؤسسات، تحتاج إلى إجماعاتٍ لتجاوُزِها وللبناء عليها. البناء على الإرادة الجامعة للسير من جديدٍ في الطريق السليم. ولهذا وفي هذه المرحلة هناك عملان علينا أن نقوم بهما: الصمود في وجه العواصف والثبات على المبادئ الأساسية من جهة، وبناء الإرادة الوطنية التي تصنع المجتمع المتماسك، والدولة القوية من جهة ثانية .

هذا ما أحببت أن أقوله لكم اليوم والتأكيد عليه والتأكيد على أهمية الأيمان بالله وبأنفسنا وبوطننا وعلى الثقة في المستقبل خاصة مع ازدياد الشائعات في الفترة الأخيرة عبر وسائل الإعلام والمواقف والخطب الرنانة التي تحاول زرع الشكوك وينحو البعض فيها إلى اعتماد أسلوب  مرفوض وهو أسلوب كيل التهم الجاهزة، أسلوب التخوين للإساءة ولا يعني ذلك أنهم على صواب.

أيها الأخوة والأخوات،

 تأكدوا أننا راسخون في الأرض ندرك ما يدور حولنا و نعرف احتمالاته المتعددة ولهذا لن نجزع أو نخاف نتيجة التهويل والتهديد بالفتنة او غيرها، ولن نتردد، لكننا لن نمد للآخرين إلا يد الخير والحوار والمحبة عن اقتدار. ولهذا ارى ان تطمئنوا ولا يعني هذا الكلام ان نتكاسل بل من اجل ان نزداد صلابة وصموداً سيبقى لبنان قوياً عزيزاً راسخاً سيداً عربياً أبيا حراً مستقلاً وسيبقى لبنان، عشتم وعاش لبنان

تاريخ الخبر: 
02/12/2010