الرئيس السنيورة: هذا الكتاب يقدم قراءةً موضوعيةً مستندةً إلى شواهدٍ مبينة بالارقام

-A A +A
Print Friendly and PDF
العنوان الثانوي: 
رعى حفل توقيع كتاب مشروع لبنان الاقتصادي للدكتور مازن سويد

رعى رئيس كتلة "المستقبل" النيابية الرئيس فؤاد السنيورة مساء أمس، حفل توقيع كتاب "مشروع لبنان الاقتصادي – بين دروس الماضي وتحديات المستقبل" للدكتور مازن سويد، في معرض بيروت العربي والدولي للكتاب في البيال، وذلك بدعوة من الدار العربية للعلوم ناشرون، وبحضور حشد من النواب والوزراء والشخصيات السياسية والاقتصادية والإعلامية.

   ولدى وصوله إلى جناح الدار العربية للعلوم ناشرون، قال الرئيس السنيورة:

 "هذا الكتاب يقدم نظرة جديدة وموضوعية حول حركة الاقتصاد اللبناني منذ العام 1992 وحتى الآن مع العودة إلى ما قبل فترة الاستقلال، برؤيةٍ ثاقبة لتطورِ الاقتصاد اللبناني والقواعد التي استند إليها على مدى تلك السنوات. هذه النظرة انطلق منها الرئيس الشهيد رفيق الحريري وقد كنت إلى جانبه في صياغة الرؤية الاقتصادية للبنان بعد أن انتهت الحرب الأهلية وكان ما كان خلال تلك الحرب من دمار طاول الكثير من القواعد التي استند إليها الاقتصاد اللبناني. وبالتالي، كانت هناك مصاعبَ جمّة تكتنفُ تلك القواعد التي انطلق منها الرئيس الحريري في صياغة الرؤية لحركة الاقتصاد اللبناني ولكيفية بعث الحياة فيه مجددا من دون أن ينقلب على الأساسات التي انطلق منها هذا الاقتصاد".

سئل: دولة الرئيس، كيف تقرأ الهجوم المستمر على مرحلة الرئيس رفيق الحريري من العام 1992 لغاية الآن؟

أجاب: "من حيث المبدأ، نحن نقول دائما بأهمية الانتقاد الذي يؤدي إلى التصويب، أما الانتقاد الذي يهدف إلى التهشيم من دون أي مسوّغٍ ومن دون الاستناد لا لأسبابٍ ولا لقراءةٍ ولا لمعطياتٍ ولا لبراهين، فيُعبّر عن رغبةٍ بتهشيم تلك الفترة والانتقام منها وينطلق من أسبابٍ كيدية. أعتقد أن هذا الكتاب يقدم قراءةً موضوعيةً مستندةً إلى شواهدٍ مبيّنةٍ بالأرقام حول حركة الاقتصاد اللبناني والعوائق التي اصطدم بها وكيف تمّ التعامل معها، وبالتالي يمكن أن يطّلع القارئ عليه بأسلوبٍ يستند إلى الحقائق والنظريات الاقتصادية الحديثة، ولكن أيضاً بأسلوب يمكّن الإنسان العادي، غير المطّلع على كل النظريات الاقتصادية ، من قراءتها وفهمها ليردّها إلى تجربته على مدى تلك السنوات.

أعتقد أن هذه المرحلة التي نشهد فيها الكثير من الهجوم السياسي ما هي إلا محاولة لرمي قنابل دخانية لا تستند على الإطلاق إلى وقائعٍ وحقائق . كانت هناك مصاعب جمّة، وعلى الإنسان أن يسأل: أنا لو كنت قد واجهت هذه المصاعب كيف كنت تصرفت؟. نحن لا ننطلق من وقائع مبنيّة على إمكانات لامحدودة. إن علم الاقتصاد ينطلق من قاعدة نتعامل فيها مع إمكانات محدودة وظروف صعبة، وعلى الإنسان العادي كما المسؤول، أن ينظرا إلى كيفية التعامل مع هذه الوقائع بالشكل الذي يؤدي إلى تعظيم أو تحسين النتائج الناجمة عنها. لذلك، أعتقد أنه من الضروري لأي باحثٍ ولأي شخصٍ يريد الاطلاع على هذه المرحلة التي مرّ بها الاقتصاد اللبناني على مدى الثمانية عشر عاماً الماضية، أن يقرأ هذا الكتاب ويستند إلى كل الفترة التي سبقت اتفاق الطائف، كما سبقت الحرب اللبنانية وأيضاً فترة الاستقلال اللبناني، فيربطها بطريقة موضوعية وعلمية واقتصادية حقيقية، مستنداً إلى كل الصدمات التي تلقاها لبنان، سياسياً واقتصادياً، وأيضا الصدمات الناتجة عن الأحداث الجارية ليس في لبنان فحسب، بل خارج لبنان وقد تأثر بها سلبا وإيجاباً . فاستناداً إلى ذلك، أعتقد أنه من الضروري أن يقوم كل باحث وكل من يريد الاطلاع على الحقيقة بقراءة هذا الكتاب، إنها مناسبة لأي إنسان يريد أن يبدأ حواراً موضوعياً حول موضوع الاقتصاد اللبناني وحول ما مرّ به والفرص التي يكتنزها والعوائق التي قد تواجهه .

وردا على سؤال حول الاتجاه الذي يسير به لبنان اليوم ، قال الرئيس السنيورة:

"أعتقد أن لبنان يتجه إلى حيث يريد أهله. في هذه مرحلة، علينا جميعاً أن ننظر بحكمة ورويّة وبرؤية ثاقبة للبنان ومستقبله استناداً إلى إمكاناته الحقيقية واستناداً إلى ما يجري من متغيرات في العالم. لا شك في أن على لبنان أن يعود ويسلك الطريق المؤدي إلى الإصلاح الحقيقي، هذا الإصلاح الذي كانت هناك محاولات عديدة على مدى السنوات الماضية من قبل الرئيس الحريري لتطبيقه، وقد جرى إعاقتها أو منعها أكثر من مرة. هناك شواهد ومن يقرأ هذا الكتاب يستطيع أن يعود مرّة بعد أخرى إلى كل المراحل التي جرت فيها محاولات حقيقية لإجراء إصلاح اقتصادي واجتماعي في لبنان، وكانت تقابلها عمليات واضحة للتعطيل والتفشيل . الآن ، يجب أن ننطلق مما نحن عليه وأن ننظر بعين المصلحة إلى الاقتصاد اللبناني وإلى اللبنانيين، وأيضا إلى دور لبنان في المنطقة، وأن نأخذ على عاتقنا الانطلاق من قاعدة فيها بعض الأمور التي قد يكون من المُستصعب أن يصار إلى حلّها على الصعيد السياسي، وبالتالي ليس بالضرورة أن يُصار إلى الاتفاق على كل شيء في آن معاً، بل بالإمكان الفصل بين بعض الأمور وتحييد اقتصادنا وتحييد لقمة المواطن عن المهاترات السياسية، الأمر الذي يسهم في التعجيل في معالجة الأمور السياسية التي يمكن أن يكون هناك تباين بين اللبنانيين بشأن بعضٍ منها، لكن هذا لا يعني أن نجمّد الأمور في كل لبنان إلى أن تُحلّ كل المسائل .

سئل: لكن الفريق الآخر يقول إنه لا يمكن حلّ أي من الملفات إلا بعد البتّ في ملف شهود الزور؟

أجاب: " هذا مثال آخر على ما نقوله، فلا يجوز على الإطلاق أن نعطّل ونوقف الاقتصاد وأوضاع الناس بانتظار حلّ مسألة هناك تباين بشأنها، الأمر الذي يوقع   فعلياً الضرر الأكيد بمصالح اللبنانيين جميعاً. أعود وأكرر، هناك أمور قد يكون حولها تبايناً في الرأي ، لكن يجب ألا يكون هناك تباين على مصلحة اللبنانيين الاقتصادية والمعيشية. أعتقد أن الأمور الاقتصادية يجب ألا تُكبّل إلى أن يصار إلى حل الأمور السياسية .

سئل: هل أنت متفائل دولة الرئيس؟

أجاب: أنا متفائل ولا متشائم.

سئل: يقال عنك دولة الرئيس أنك رجل الصمود والتصدي ورجل المصاعب?  

أجاب: "وما زلت، في الحقيقة، على ثباتي في المواقف والمبادئ. هذا أمر يجب المحافظة عليه. أما موضوع التفاؤل والتشاؤم ، فيقال إن حالة المتفائل والمتشائم هي حالة ذهنية . أنا أؤمن بهذا الأمر، لذلك لا أقف عند هاتين الكلمتين. أقول نعم، نحن مصمّمون على الاستمرار في هذه المسارات، المسارات الإصلاحية للاقتصاد اللبناني وللأوضاع الاجتماعية بما يجعل من لبنان بلداً مقصداً لأشقائه وأصدقائه في العالم، ومورّداً للصادرات، أكانت مادية أم خدماتية تنافسية ، بما يجعل الاقتصاد اللبناني قادرا على المنافسة في المرحلة القادمة . أعتقد أن الثبات في هذه المواقف هو السبيل الوحيد الذي يؤدي بنا إلى نتيجة. 

سويد

من جهته، شرح الدكتورمازن سويد أهداف الكتاب، فقال:هناك هدفان يحاول الكتاب تحقيقهما: الأول، هناك فجوة تزداد اتساعاً بين استعمال الأمور الاقتصادية في الجدل السياسي وبين قدرة الرأي العام على فهم واستيعاب تلك الأمور، ولهذا الشأن أسباب عدة، منها أولاً أن لدى اللبنانيين عموماً نزعة للمواضيع المتعلقة بعالم الأعمال أكثر منه للمواضيع المتعلقة بالاقتصاد، وهو ما نسميه بـ" الاقتصاد الجزئي" في حين يجب أن ينصبّ الاهتمام على الاقتصاد الكلي، وهو الذي لم يلق الاهتمام الكافي في لبنان وقد أصبح مادة أساسية في التعليم الجامعي والثانوي في العالم نظراً لأهميته في فهم الحياة السياسية. الهدف الثاني، لا تزال الانقسامات في لبنان مبنية على أساس الهوية الأولية. ما زلنا حتى اليوم نفكر بهويتنا وفي ما إذا كنا سنّة أو شيعة أو مسيحيين في حين أصبحت الاهتمامات الاقتصادية أساس الانقسام بين المواطنين في بلدان الغرب. فاليوم، يدور الجدل في أميركا حول ما إذا كان الرئيس باراك أوباما سيمدد خفض الضرائب على الأغنياء أم لا، الأمر الذي أحدث انقساماً بين المواطنين ذوي الدخل المرتفع الذين يريدون استمرار هذا التخفيض وبين الطبقة الوسطى، وهي الجهة التي يجب أن تستفيد. وهذا دليل تقدم اقتصادي. أما في لبنان، فلا تزال الهويات الأولية هي المحفز الأساسي للمواطنين، من دون أدنى اهتمام بالشؤون الاقتصادية، الأمر الذي أتاح الفرصة لسياسيين كثر لاستخدام الملف الاقتصادي في التقاذف السياسي".

أضاف : " في العام 2004، أي قبل اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، أثيرت قضية "سواب"، وهي قضية تقنية بحت تم استخدامها في التقاذف السياسي فيما كان المواطن اللبناني لا يعلم بما تعنيه كلمة "سواب"، وهو ما جعل البعض يعتقد أن الرئيس الحريري يحضّر لأمرٍ ما. كذلك، فما يحصل اليوم من طرح قضايا مثل قطع الحساب وحساب المهمة ومبلغ 11 مليار دولار من الموازنة، كلها كلمات تُلقى عشوائياً ولم تُطرح بهدف الذهاب إلى العمق في معالجتها. هذا الكتاب يحاول إغلاق هذه الفجوة، مقدماً مادة اقتصادية بأسلوب مبسّط وسَلِسل وبلغة مفهومة قدر الإمكان، ليتمكّن المواطن اللبناني من قراءتها وفهمها ومعرفة كيفية ترابط الأمور بين بعضها البعض.

وتابع: "إن تعريف الاقتصاد هو دراسة الخيارات في ظل المحدودية. فنحن نعيش في عالم المحدودية، سواء في محدودية المواد أو محدودية القدرات أو الظروف السياسية والاجتماعية، ودراسة الاقتصاد لجهة كيفية تعظيم الأرباح في ظل تلك المحدودية، الأمر الذي يشرحه هذا الكتاب واضعاً تجربة الرئيس الحريري الاقتصادية، وبعدها تجربة الرئيس فؤاد السنيورة، في هذا الإطار، ومبرزاً الإنجازات التي تحققت وكلفتها. فيطرح التساؤل: كيف يمكن مقارنة الكلفة بما تم تحقيقه؟ وهل كان من الممكن أن تكون الكلفة أقل؟ إذا كان الجواب نعم، فهذا يعني أنه كان هناك تقصيراً في مكان ما، والكتاب يدلّ إلى وجود تقصير في مكان ما، ويقول إن الرئيس الحريري اضطر إلى مساكنة أمراء الحرب والميليشيات كما اضطر إلى تمرير إنفاقات أكثر مما هو محقق، لكن ألم يساهم هذا الأمر أيضاً في بناء المطارات والطرقات والجسور في بلد كلبنان تحكمه التعقيدات السياسية والطائفية والمذهبية والزبائنية؟ تلك هي الأهداف التي يحاول الكتاب أن يحققها ، إضافة إلى الجانب التثقيفي والتعليمي للمواطن الذي يحاول إعادة النقاش الاقتصادي إلى إطاره العلمي الصحيح. لا شك في أن تقييم تجربة الرئيس الحريري تحتاج إلى وضعها في إطار علمي ومقارنتها ليس بما لم يحققه ، بل بما استطاع تحقيقه في مقابل ما أنفقه(الكلفة)، وليس في مقابل الحديث عما كان يجب فعله في العام 1992 ومطالبة البعض بإغلاق البلد وإلغاء حرية التجارة فيه وتحويله الي نظام اشتراكي. لا يمكن تقييم التجربة بهذا الأسلوب. ففي العام 1992، اكتشفت بعض البلدان التي اعتمدت هذا الخيار قبل 40 عاماً أنه كان خياراً خاطئاً وعادت إلى اعتماد  سياسة فتح الأسواق، من سوريا إلى مصر والصين والفيتنام، في حين كان يُطلب من الرئيس الحريري أن يسبح عكس التيار. كل هذه الأمور يشرحها الكتاب مستفيضاً في شرحها وفي عرض الخيارات المتاحة وأكلافها وإيجابياتها المتوقعة".

وختم: "الجزء الأخير من الكتاب يتحدث عن التجربة الليبرالية التي خاضها لبنان منذ العام 1943، ثم عاد الرئيس الحريري وأحياها وعمل على إصلاحها وأنسنتها، وهي تستعيد تجربة الرئيس فؤاد شهاب في العام 1958. البعض يقول إن الرئيس شهاب أحدث ثورة على سياسة "اليد المرفوعة" وهذا غير صحيح، فالرئيس شهاب عمل على تحصين تلك التجربة في إطارها وقام بتعديلها بما يتلاءم مع طبيعة لبنان، وهذا تماماً ما قام به الرئيس الحريري الذي حاول إعادة تحصين ليبرالية لبنان مولياً الشأن الاجتماعي أهمية كبرى، وهو الأمر الذي لم يُنظر إليه بموضوعية. كذلك يتضمن الكتاب شرحاً للتغيرات الكبرى التي تجري في العالم من الأزمة المالية العالمية إلى صعود اقتصادات ضخمة مثل الهند والصين وروسيا والبرازيل، فمن يتابع الأحداث في العالم يدرك ضخامة التغيرات الحاصلة حيث تفكر معظم البلدن في كيفية تطوير اقتصاداتها ومجتمعاتها لتتلاءم مع تلك التغيرات، فالكتاب يشرح كيف يمكن للبنان أن يستفيد من تجربته ومن كل ما يحدث في العالم . إن التحدي الاكبر المطروح أمام لبنان اليوم هو إعادة صياغة مفهوم دور الدولة في الاقتصاد، فالتجربة العالمية تقول إن الدولة يجب ألا تكون هي المنتجة والموزعة في القطاعات الحيوية، مثل النقل والطاقة والمياه والاتصالات، بل يجب أن تكون الناظمة والمراقبة نظراً لما يمكن أن يحدث من فساد وإثراء غير مشروع في عملية الإنتاج والتوزيع في تلك القطاعات، وعليه، ارتأت كل البلدان أن يقوم القطاع الخاص بدور إنتاج تلك القطاعات على أن يكون للدولة هيئات رقابية ذات سلطة مطلقة وقوية وفعالة تمكنها من المراقبة".

تاريخ الخبر: 
10/12/2010