الرئيس السنيورة : انتشار الديمقراطية في العالم العربي سيكون حتماً لمصلحة جميع مكونات شعوب هذا العالم العربي

أهلاً بكم في بيروت، المدينة التاريخية المتوسطية التي كانت في حقبةٍ ماضيةٍ أُمَّ الشرائع والتي شهدت على مدى قرون موجات عديدة من الدمار وإعادة البناء، كان آخرها الحرب الأهلية في سبعينيات وثمانينيات القرن الفائت، والتي تبعتها عملية النهوض وإعادة الإعمار والتجديد، مما يعكس إرادة الحياة لدى أهلها ولدى اللبنانيين.
أيها الأصدقاء،
إنكم تبحثون في مؤتمركم هذا اليوم وغداً في جملة المتغيرات والتطورات التي تشهدها مدن المتوسط وفي أدوارها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وفي التحديات التي سوف تشهدها هذه المدن في العقود القادمة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والبيئية، وفي كيفية الانطلاق بخُطىً ثابتةٍ نحو المستقبل بما يؤمن لهذه المدن ولسكانها من جهة أولى التلاؤم مع هذه المتغيرات، ومن جهة ثانية ضمان النمو المستدام والتقدم والاستقرار. وقد تكون لتجربة مدينة بيروت في نهوضها واستعادة وتطوير دورها قيمةٌ وعبرةٌ في هذا الإطار.
أيها الأصدقاء،
لقد أُعيدَ بناءُ وَسط مدينة بيروت الذي نُكب بالدمار لسنوات طويلة، من أجل أن تعود بيروت كما تريد هي وكما يريد أهلها أن تكون مدينةً عصريةً، منفتحةً نابضةً بالحياة، وجامعةً للبنانيين على اختلاف مذاهبهم وتوجهاتهم وواحةً لتلاقيهم وتفاعلهم مع إخوانهم العرب ومع جميع محبي بيروت من الشعوب كافة ومن كل أصقاع الأرض والذين يزورون بيروت ويقدرون دورها العربي والمتوسطي الجامع وإسهامها الجدي في تعزيز ثقافة الانفتاح والحوار والتفاعل بين الثقافات والأديان.
لقد نهض وسطُ مدينة بيروت من جديد ليكونَ، كما كان في الماضي، مركزَ اللقاء بين جميع اللبنانيين وليؤدي وظيفته المحورية التي كانت دائماً رافعةً حقيقيةً للاقتصاد اللبناني، ومدخلاً لاستعادة دور لبنان في محيطه العربي والمتوسطي والعالمي بما يمثله من ديمقراطية وحيوية وانفتاح واعتدال وتسامح. وهو الدور الذي لطالما حمله لبنان والذي أثبت من خلاله- على الرغم من كل ما مرّ فيه وعانى منه خلال العقود القليلة الماضية- أنه يبقى مثالاً ونموذجاً يُحتذى به في محيطه. فلبنان عندما يكونُ متعافياً ومحصناً بالوحدة الوطنية لأبنائه وديمقراطيته وحرياته يكتسبُ قدرةً هائلةً على توليد قيمةٍ مُضافةٍ هامةٍ له ولمحيطه تستفيد من تنوعه وحيويته المنطقة العربية ككل وكذلك المجتمعات الغربية في تعاملها وتواصلها مع العالم العربي.
لطالما تشاركَ لبنانُ أيها السيداتُ والسادةُ مع العديد من دول العالم في منطقة البحر المتوسط قيم الحرية والعدالة والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان ومبدأ تداول السلطة. ولطالما شدد على التعاون مع محيطه العربي والمتوسطي من أجل تحقيق التنمية، وإن أعاقت مسيرةَ تنميته لعقودٍ ظروفُ الحروب التي شنّتْها إسرائيلُ عليه والخلافاتُ الداخليةُ التي عصفت به. وكذلك لطالما أَوحى هذا البلدُ الصغيرُ بحجمه، الكبيرُ بهمم أبنائه وبتوقهم الدائم إلى النهوض والتجديد، بالثقة لذاته ولمحيطه. وهو استطاع بسببٍ من ذلك أن يستقطب الاستثماراتِ اللازمةَ وحقَّق في مراحل الاستقرار معدلاتٍ مرتفعةً من النمو والتطور والتقدم وأثبت قدرته على العودة للانطلاق كطائر الفينيق بعد كل كبوة حلت به في الماضي. وهو سيكونُ ولا شكَّ قادراً على التقدم نحو آفاقٍ مستقبلية واعدة ولاسيما حين يعود اللبنانيون إلى البناء على ما يتمتعون به من ميزات تفاضلية في محيطهم ومدركين أهمية البناء على وحدتهم الوطنية وعلى ضرورة توافقهم على التركيز على العمل على بناء مستقبلهم ومستقبل منطقتهم على القيم والمبادئ التي آمنوا بها وناضلوا من أجلها.
أيها السيدات والسادة،
على الرغم من الظروف والأوضاع الصعبة التي مرّ بها لبنان في أكثر من مرحلةٍ وما يزالُ يُعاني من بعضها، فقد ظلّ لبنان شديد الحرص على الالتزام بتعهداته والتزامه تجاه أشقائه وأصدقائه وهو قد حرص على أن يبقى عضواً فعالاً ومؤثّراً في محيطه وفي المجتمع الدولي، مستمداً قوةً متجددةً من تفاعله الإيجابي مع محيطه ومن التزامه باحترام الشرعية الدولية ومقرراتها، لاسيما عندما تكونُ ديمومةُ حريته وديمقراطيته وانفتاحه ومدى استفادته مما يتمتع به من مميزات تحتاج إلى سيادة شرائع الحق والعدالة والقانون والنظام.
أيها السيدات والسادة،
يشهدُ عالمُنا العربيُّ هذا العامَ أحداثاً هي الأَهَمُّ على مدى عقود عديدة وهي توازي بأهميتها أحداثاً جمّةً عصفت بالأمة العربية ودولها كالنكبة في العام 1948 والنكسة في العام 1967. لكن وعلى العكس من هول تلك الأحداث الماضية، فإن الأمة وبعض دولها تشهد في هذه الآونة، تغيراتٍ وانتفاضاتٍ عميقةَ الجذور تحمل في طياتها الكثير من التداعيات والمعاني ولكن أيضاً الآفاق الواعدة للأمة بكافة مكوناتها، وتشكل بدايات صحوة للشعوب العربية وتعبيراً صادقاً عن تَوق هذه الشعوب للحرية والكرامة والتداول السلمي للسلطة والحق في المشاركة الفاعلة في رسم مستقبلها ومستقبل أبنائها.
ولبنانُ الذي كان رائداً في الماضي في دوره المحوري في المنطقة في تعزيز ثقافة الانفتاح والديمقراطية والحرية والثقافة، استطاع على مدى عقود طويلة أن يستفيد من العديد من الفرص التي كانت تتاح، لا بل أن ينجح أحياناً في تحويل بعض المصاعب والتحديات التي كانت تحل به أو بالأمة إلى فُرَص جديدة، مستفيداً إلى ذلك بما يختزنه من حيوية وقدرة هائلة على التكيف والتلاؤم مع المتغيرات من حوله. وهو باعتقادنا قادرٌ اليوم على أن يستفيد من هذه المتغيرات العربية لما فيه مصلحة له ولشعوب الأمة العربية من خلال التأكيد مجدداً على أهمية تعزيز الديمقراطية وتحصينها داخلياً، والتأكيد على أهمية توافق اللبنانيين على إعادة الاعتبار إلى فكرة الدولة. الدولة الديمقراطية المنفتحة والعادلة. وما أعنيه هنا، من إعادة الاعتبار للدولة هو التوافق بين اللبنانيين على العودة إليها، وذلك بشروط الدولة. نقول هذا مع أهمية التأكيد على أهمية التفاعل مع المتغيرات العربية عبر الإدراك الواعي أن انتشار الديمقراطية في العالم العربي سيكون حتماً لمصلحة جميع مكونات شعوب هذا العالم العربي سيما وان انتشار الديمقراطية هو الضامن الحقيقي لوحدة مجتمعنا اللبناني وكذلك لوحدة مجتمعاتنا العربية والاغتناء بتنوعها وتعزيز استقرار عيشها.
إنّ دوافع حركات التغيير العربية وشعاراتِها هي الحريةُ والكرامةُ والعدالة. وهي تعني حريات الوطن والمُواطن، وصَون حقوق الإنسان، والعدالة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
من جهة أخرى، فإن المرحلة القادمة تتطلب منا التأكيد، هنا في لبنان، على السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تسمح للجميع بالمشاركة الفاعلة في صنعها والتي توحي بالثقة والاستمرارية والحكم الرشيد وتؤكد على تفعيلهما وتعزيزهما.
لقد تعلمنا أيها الإخوة والأخوات دروساً كثيرة من الماضي ومن أهمها أن الشراكة الحقيقية تكون على أساس الحرية لا الإكراه وهي الشراكة التي تعود بالخير على الجميع.
على هذا الأساس، فإن التحدّيَ الكبيرَ أمام الحكومة اللبنانية ومؤسسات المجتمع المدني اللبناني اليوم هو في عملها على تعزيز قدرة اللبنانيين على التفاعل مع هذه المتغيرات الحاصلة في محيطنا العربي سواء سياسياً من خلال دعم إرادة الشعوب العربية والتزام الدفاع عن مصالحها وحقوقها وتعزيز إيمانهم بالقيم التي قام لبنانُ واستمرَّ على أساسها. واقتصادياً من خلال المحافظة على المكتسبات ومعالجة ما يمكنُ أن يكونَ قد طرأ من شوائب. واجتماعياً من خلال اعتماد مبادئ التنمية الشاملة المتوازنة والعادلة التي لطالما سعينا إلى تحقيقها فنجحنا في الكثير من الحالات ولم نوفق في البعض الآخر لأسباب متعددة ومنها عدم قدرة الدولة على فترات مديدة من فرض سيادتها وسلطتها وعجزها عن إعلاء سلطة القانون والنظام فوق كل أراضيها وعلى مساحة كل الوطن.
أيها الأصدقاء،
إن دورَنا اليومَ باعتبارنا معارضةً مسؤولةً يحتِّمُ علينا مواجهةَ أيِّ مسعى لأخذ لبنان إلى حيث لا ينتمي، وأن نتصدَّى لأية مُحاولةٍ لتغريبه عن قيم العروبة والحرية والسيادة والاستقلال والعدالة واحترام حقوق الإنسان وهي القيم التي لا معنى لوجود لبنان من دونها. إنها القيم التي لطالما التزمها وآمن بها لبنان وعمل على هَدْيِها وبشَّرَ بها في محيطه والعالم. وسنستمر في لعب هذا الدور سواء كنا في الموالاة أو في المعارضة وسنعمل على أن تقوم الدولة القوية والعادلة. كذلك سنظل ملتزمين السعي لكي يتحقق الكشف عمن ارتكب الجرائم السياسية وذلك من خلال المحكمة الدولية بحيث تنتفي إمكانيةُ فِرار أي مُجْرِمٍ من وجه العدالة. وسيمكِّنُنا ذلك من تحصين حق اللبنانيين في الحرية وفي حماية نظامهم الديمقراطي من محاولات التشويه والاستنساخ التي ذاق اللبنانيون الأمرَّين منها.
أيها الأصدقاء،
لن نتهاونَ عندما يتعلق الأمر بالحرية والديمقراطية وتداول السلطة ولن نساوم عندما يتعلق الأمر بالعدالة ولن نخاف من المجهول عندما يتعلق الأمر بصحوة الشعوب وعزتها وكرامتها.
لقد هبّت شعوبُنا لتحقيق النهضة العربية الثانية، وهذا حقٌّ لشبابنا، وحقٌّ لمستقبلنا، لصُنع التقدم، وللمشاركة في حضارة العالَم المعاصر وطموحاته.
باسم الرئيس سعد الحريري وباسمي وباسم الكتلة النيابية لتيار المستقبل. أتمنى لمؤتمركم النجاح وأُرحِّبُ بكم مجدَّداً في شعلة الحرية الدائمة بيروت.
القى الرئيس فؤاد السنيورة الكلمة الرئيسية في المؤتمر الاقتصادي الثالث لمدن البحر الابيض المتوسط ممثلا الئيس سعد الحريري في المؤتمر الذي عقد في فندق المتروبوليتان وفي ما يلي نص الكملة :
