الرئيس السنيورة : بدأ عهد الديمقراطية في العالم العربي والتجربة بحاجة لوقت من اجل التبلور

اعلن رئيس كتلة المستقبل الرئيس فؤاد السنيورة أن "حركة الثورة العربية أحدثت منذ سنة وحتى الآن تغييراً في العالم العربي ووضعت العرب على مسار سبقهم إليه عدد من شعوب العالم، فوضعت حداً لما كان يعرف بالاستثناء العربي حيث أُعتبر أنّ العرب وخلافاً للشعوب الأخرى لا يتمتعون بالقدرة على السعي للديمقراطية أو تطويرها أو ممارستها".وكان الرئيس السنييورة قد قال هذا الكلاام خلال مشاركته يوم الجمعة في 27 كانون الثاني 2012 في افتتاح مؤتمر التغيير في العالم العربي والتعددية في فندق لو رويال ضبية، الذي اقامه حزب الكتائب
وقد شارك فيه: الرئيس أمين الجميل، رئيس الوزراء المجري فيكتور اوربان، رئيس الوزراء البلجيكي السابق رئيس حزب الشعب الأوروبي ويلفريد مارتينز، رئيس الاتحاد بيار كاسيني، وزيرة خارجية موريتانيا السابقة عن الحزب الديموقراطي الشعبي نهى مكناس، الأمين العام للمحكمة العليا للانتخابات التونسية بوبكر بتابت، وزير الصناعة السابق في ايطاليا كلوديو سكايول ومسؤول العلاقات الخارجية في حزب العدالة والتنمية التركي أمين اونان.
وحضر المؤتمر المطران غي بولس نجيم ممثلا البطريرك الماروني مار بشاره بطرس الراعي، وزيرا الإعلام وليد الداعوق والاقتصاد نقولا نحاس، والنواب: عاطف مجدلاني، انطوان زهرا، احمد فتفت، نديم الجميل، سامي الجميل، سامر سعاده، خالد الضاهر، هنري حلو، انطوان سعد، معين المرعبي، امين وهبة، فادي الهبر ورياض رحال، ممثل رئيس الجمهورية لدى المنظمة الفرنكوفونية خليل كرم، ومفتي طرابلس والشمال مالك الشعار.
وحضر أيضا، وزير النقل في رومانيا انكا بواجيو، وسفراء اليونان، كولومبيا، بلغاريا، مصر، كوريا، الأردن، المغرب اسبانيا، هنغاريا، تركيا، فرنسا الولايات المتحدة الأميركية، الأتحاد الأوروبي، وزير الخارجية الايطالية السابق فرانكو فراتيني، الوزراء السابقون: نائلة معوض، منى عفيش، طارق متري وسليم الصايغ، مستشار الرئيس سعد الحريري داوود الصايغ، رئيس الحزب الديموقراطي البرازيلي سيزار مايا، رئيس الحزب الديموقراطي المسيحي- مكسيكو جورجيو اوسنمو، ريجيس ايجلزياس عن الحزب الديموقراطي- كوبا، امين عام الحزب الديموقراطي المسيحي- ايطاليا لورنزو تشيزا، جويس امين الجميل، مفوض الأعلام في الحزب التقدمي الإشتراكي رامي الريس، الامين العام لحزب "القوات اللبنانية" عماد واكيم ورئيس تيار "الإنتماء اللبناني" احمد الإسعد.
كملة الرئيس السنيورة :
وفي ما يلي نص كلمة الرئيس السنيورة :
السيدات والسادة،
احدثت حركة الثورة العربية منذ سنة وحتى الان تغييراً في العالم العربي ووضعت العرب على مسار سبقهم اليه عدد من شعوب العالم، فوضعت حداً لما كان يعرف بالاستثناء العربي حيث اعتبر أن العرب وخلافاً للشعوب الأخرى لا يتمتعون بالقدرة على السعي للديمقراطية أو تطويرها أو ممارستها.
أن هذا التحول قد جاء نتيجة انهيار حاجزي الخوف والصمت وشجاعة عدد من الشبان العرب الذين تخطوا نقطة اللامبالاة ورفضوا الظلم حتى وان كان ذلك على حساب حياتهم.
وفي عالم لم تشعر فيه من قبل الشعوب قط، وخاصة الشباب منهم، بهذا الكم من القدرات بالرغم من التهميش، خرج العرب من سجنهم الكبير فألهموا بذلك الكثيرينحول العالم.
للربيع العربي محاور عدة، فقد شكل كفاحاً من أجل الحرية السياسية، ومن أجل الكرامة، ومن أجل الحرية والعدالة، ومن أجل فرص أفضل. الا أن المحور الأساس هو مناهضة القمع والتهميش على أشكاله: السياسي منه أو الاقتصادي أو الاجتماعي، اضافة الى تهميش شرائح واسعة من الشباب الذين اكتسبوا اليوم قدرات كبيرة جراء تطور التكنولوجيا السريع والانتشار الكثيف لتقنيات الاتصال.
ولأن الربيع العربي بجوهره حركة مناهضة للقمع والتهميش، فقد شكل على الصعيد العالمي محفزا ألهم، في ظل أزمة اقتصادية عميقة وارتفاع نسب البطالة، حركات طالت شوارع لندن حيث تحولت ساحة القديس بولس الى ميدان التحرير، وشوارع نيويورك حيث تم رفع شعار " اننا نشكل نسبة 99%".
إن سنوات، لا بل عقود من القمع والتهميش التي عاشها العالم العربي، أدت بالتأكيد الى كم كبير من الاحباطات. ان الاحباط من اداء الماضي، هو الذي حث الأكثرية على إطلاق صوتها مؤخراً، وهذا دفع الأحزاب التي تحتمي وراء الدين والاثنية والعرق لتقديم أداء أفضل من الأحزاب الليبراليةالحديثة والمنفتحةفي الانتخابات الحرة الأولى. الا أن هذه النتيجة ليست طبيعية فحسب، بل هي متوقعة أيضاً، وهذا ما حصل بالتحديد في أعقاب حركات التحرر في مناطق عديدة حول العالم، أكان ذلك في أميركا اللاتينية وجنوبي شرقي آسيا وجنوبي أفريقيا.
اسمحوا لي أن ألحظ أنه، حتى في الدول التي تتمتع بتاريخ طويل من الديمقراطية كأوروبا الغربية، غالباً ما كنا نرى أن الشعوب تلجأ في زمن الأزمات والتوترات للأحزاب المحافظة أو المتقوقعة أو حتى الراديكالية منها، فغالباً ما تميل هذه الأحزاب لتقديم الحلول الجاهزة فتبدو وكأنها توفر ملاذ اليقين الضروري في الأوقات التي يسودها الشك.
ما أحاول قوله هنا، هو أن أداء الأحزاب الاسلامية في الانتخابات الحرة الاخيرة في تونس ومصر، وأداءها المتوقع في بلدان أخرى، تعيش الربيع العربي، انما أتى نتيجة سنوات من القمع والتهميش. فهذا الأداء أتى نتيجة سنوات من الضغط وعلينا اعطاء الشعوب بعض الوقت للتحرر من هذا الضغط المكبوت. وسنشهد عندئذ أداء الاحزاب الاسلامية في ظل ظروف طبيعية أكثر اذ ستسعى للاندماج والتطور بشكل تسعى معه للتكيف مع البيئة الجديدة والتركيز على مواجهة تحديات المستقبل. أضف الى أن المسلمين عامةً سيشعرون براحة أكبر فيميلون بالتالي لعيش قيم الاسلام الحقيقية من انفتاح واعتدال.
السيدات والسادة،
يشرفني أن أعلن أنني كنت من أوائلالذين قدموا دعمهم الكامل للربيع العربي في الوقت الذي كان لا يزال فيه في المهد، وذلك ايماناً مني بقوة وشرعية التغيير و نتيجة ثقةً راسخة بعدم امكان استمرار الشعوب العربية رهينة للماضي وبحقهم في تقرير مستقبلهم.
اليوم يعتقد البعض أنه تم اختطاف الربيع العربي وأنه يواجه خطر التحول الى شتاء قارص ومظلم. ويخشون أن يتم استبدال الأنظمة العسكرية الاستبدادية بأحزاب اسلامية استبدادية. ويخافون على قيم أسست لهذه الثورات، قيم الكرامة والحرية الشخصية والسياسية واحترام حقوق الانسان، اضافةً لقيم الانفتاح واندماج كافة مكونات مجتمعنا العربي بغض النظر عن الدين والاثنية والعرق.
وتماماً مثل ما كنت مرتاحاً للتغيير في وقت أظهر الكثيرون خشيتهم منه، أقف اليوم أمامكم وأجدد ايماني به وبآفاقه المستقبلية في الوقت الذي يشكك فيه الكثيرون. ما زلت أؤمن أن ما يحصل يعتبر جيداً بشكل أساسي بالنسبة للعرب والعالم. اذ سيسمح للصوت العربي المعتدل بملء الفراغ الناتج عن غياب مصر الفعلي عن الساحة الاقليمية على مدى العقود الثلاثة الماضية والذي احتله لاعبون من غير العرب من المتطرفين. كما سيساهم في اعادة بعض التوازن لمنطقة الشرق الأوسط على أمل أن يوفر للعالم حوافز تساهم في حل الصراع العربي الاسرائيلي الذي لا يزال القضية المركزية على الرغم من كل شيء وتضمن حق الفلسطينيين بدولة سيدة مستقلة قابلة للحياة. ان جهداً عالمياً منسقاً من أجل الضغط على إسرائيل للتقدم نحو حلّ سلمي عادل وشامل لهذا الصراع المستمر سيوفر الدعم لقوى الاعتدال والاستقرار في المنطقة ويمهد الطريق أمام النجاح الدائم للحركات الديمقراطية.
يمكننا أن نستسيغ أو نستهجن بعض أو كل نتائج هذه الانتخابات الا أن هذا جزء من عملية متكاملة ومن الاعتياد على عمليات انتخابية لا تنتهي لصالح جهة واحدة بنسبة 99،7%. كما أنها جزء من عملية النضوج. ففي نهاية المطاف أي من الثورات في العالم تمت بشكل سلس وكانت واضحة المعالم واستطاعت أن تسلم المسؤولية على الفور للشخص الأنسب لمواجهة تحديات الغد؟
أن الاهم من نتيجة الانتخابات، كان فعلياً العملية بحد ذاتها. وأعظم قيم الديمقراطية مقارنةً مع أي شكل آخر من الأنظمة قدرتها على تصحيح أخطائها بشكل ذاتي.
ان حركة الثورة العربية بحد ذاتها فعل حداثة وتبنٍ للتغيير العالمي. الا أن فعل الحداثة هذا لا يمكن أن يكتمل فعلياً الا في حال أدى الى نشوء دولة مدنية تحترم وتحمي كافة مكونات المجتمع في اطار المساواة بين الجميع من حيث الحقوق والواجبات. وقد شكلت في هذا السياق سلسلة البيانات التي نشرها مؤخراً الأزهر (وهو أعلى مؤسسة دينية اسلامية) حول مستقبل مصر ومن ثم حول حركة الربيع العربي وأخيراً حول الحريات مثالاً واضحاً حول امكان مساهمة مناخ من الحرية السياسية والفكرية بتعزيز الاسلام المعتدل المستنير الذي نحن في أمس الحاجة اليه في منطقتنا اليوم.
في هذا الاطار، أحث مثقفينا العرب ومجتمعنا المدني ومختلف قادة الفكر لتبني الافكار التي يرفع لواءها ويروج لها الأزهر ودعمها بشكل كامل فنتمكن من تحقيق هدف الدولة المدنية التي تؤمن المساواة بين مواطنيها من حيث الحقوق والواجبات والتغلب على عملية الابتزاز التي لطالما مارستها الأنظمة المتهاوية من خلال تأليب مختلف مكونات مجتمعنا على بعضها بعضاً ومن ثم بناء شرعيتها على قدرتها الواهية على توفير الاستقرار.
السيدات والسادة،
لطالما شكلنا في لبنان نموذجاً للديمقراطية، الا أن خللاً في الدولة عرض العملية الديمقراطية للخطر فتحولت التعددية من ثروة نغتني بها إلى عبء. علينا استعادة دورنا كنموذج للتنوع ورسالة للوحدة في المنطقة. أما الأمثولة الأهم التي يمكن استخلاصها من الربيع العربي ومن تجربتنا في لبنان فتتمثل في ان نستعيد دور الدولة الديمقراطية القوية القادرة، التي تشكل في نهاية المطاف الضامن الأمثل للتعددية والاستقرار والازدهار والعدالة.
أصل هنا للمحور الاقتصادي: ان التحول الديمقراطي سيحقق في نهاية الأمر النمو والتطور الاقتصادي ومستويات معيشية أفضل. فالأدلة الدامغة تؤكد أن الديمقراطية تؤدي للمساءلة التي تؤدي بدورها لاستخدام وتخصيص أفضل للموارد. الا أنه علينا الحرص كذلك الأمر على أن تعزز هذه التحولات شبكات الأمان الاجتماعي لشرائح المجتمع الأضعف أمام التغيير اضافةً لتعزيز التعليم فنتحضر اليوم لمواجهة تحديات الغد وتعزيز فرص عمل أفضل لمواجهة أكبر تحديات العالم العربي ألا وهو الحاجة لانشاء أكثر من 50 مليون فرصة عمل في العقد المقبل لاستيعاب الوافدين الجدد من الشبان والشابات الى سوق العمل.
ان الناس الذين نزلوا الى الشوارع بالأمس وطالبوا بوضع حد للتهميش سينزلون الى الشارع ثانية غداً في حال لم تتحقق المشاركة بمعناها الأشمل. وما دام يتم احترام العملية السياسية وتتم حماية الديمقراطية ويتم تنظيم انتخابات حرة بشكل منتظم، لن يكون هناك أي داع للخوف. فهذه الأمة أظهرت بربيعها هذا قدرتها الكبيرة على تصحيح أخطائها.
السيدات والسادة،
لقد قطعنا شوطاً طويلاً. فقد ولى زمن الرجل الواحد، والعائلة الواحدة والحزب الواحد. الا أن المهمة لم تنته بعد. فتحقيق الديمقراطية ليس بسهل وكما اعلن أمين عام الأمم المتحدة فان تحقيق الديمقراطية سيحتاج لأكثر من دورتين انتخابيتيين أو ثلاث. الا انه اوضح كذلك، أنه ما من عودة الى الوراء، وأنا أوافقه الرأي تماماً.
في هذا السياق، اود ان اتوجه لأولئك الذين يشعرون بالقلق ازاء الربيع العربي ويخشون التغيير ونتائجه، واسمحوا لي هنا، أن أذكركم بقول معبر لجبران خليل جبران حيث قال: "أوليس الخوف من الظمأ الشديد للماء عندما تكون كأس الظامئ نصف ملآنة هو الظمأُ بحدّ ذاته؟"
علينا أن نحافظ على أيماننا بالديمقراطية وأن نواصل الكفاح من أجل تحقيقها كما علينا أن نحافظ على ايماننا بشعبنا ومستقبلنا.
أشكركم على اهتمامكم وأتطلع لنقاش حيوي معكم.
