الرئيس السنيورة : الولايات المتحدة لن تكون بحاجة إلى النفط العربي عام 2020 فماذا سيكون موقعنا الاقتصادي في العالم

اعلن رئيس كتلة المستقبل النيابية الرئيس فؤاد السنيورة ان المطلوب الأن على المستوى العربي خطاب سياسي يخاطب الناس بصراحة عن الواقع الاقتصادي، وتضحيات لا بد من القيام بها اليوم للوصول إلى قدرات عالية ، بدلاً من بيع الأحلام. وقال : ان المطلوب ايضا هو جدول أعمال سياسات فعالة تعالج بطريقة شاملة وجذرية البنية العليا، من حيث سهولة ممارسة أنشطة الأعمال إلى ترقية القوانين المتعلقة بالأعمال والعمل، وذلك بهدف تشجيع الاستثمارات المحلية والأجنبية من قبل القطاع الخاص .
اضاف الرئيس السنيورة : الولايات المتحدة لن تكون بحاجة إلى النفط العربي في العام 2020.، لقد حان الوقت لنسأل أنفسنا ما نحن ذاهبون لعرضه على بقية العالم في السنوات الـ 5، 10، أو 20 المقبلة. وماذا سيكون موقعنا على طاولة الاقتصاد العالمي؟
كلام الرئيس السنيورة جاء خلال المؤتمر الذي تنظمه اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي اسيا ( الاسكوا ) في الرباط بمشاركة حشد من المسؤولين والاقتصاديين العرب تحتى عنوان :
" الانتقال الى الديمقراطية : التحديات والفرص الاقتصادية بعيدا عن الشعبوية " وفي ما يلي نص المداخلة التي تقدم بها الرئيس السنيورة:
سيداتي وسادتي ،
موضوع حلقة نقاشنا اليوم، " زرع بذور الديمقراطية لتحقيق النجاح: التحديات الاقتصادية للبلدان التي تمر بمرحلة انتقالية " يتمحور حول الفرص البديلة والأكثر تفضيلاً التي تحتاج إلى معالجة على المدى القصير والمتوسط من أجل تمهيد الطريق للانتقال نحو عملية ديمقراطية مستقرة ولتحقيق النمو المستدام والتنمية.
المشكلات القصيرة الأجل التي يفرضها الوضع السياسي والاقتصادي والأمني الهش في البلدان التي تمر بمرحلة انتقالية، تتفاقم بسبب الاختلالات الهيكلية العميقة التي فشلت الأنظمة العربية (المنتهية ولايتها) في معالجتها لأكثر من أربعة عقود، لأنها انشغلت في شؤون السياسة الاقتصادية، في إعادة توزيع الثروة (من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن عملية التوزيع أصبحت أكثر عدلاً وفعالية)، وذلك بدلاً من خلق الثروة.
الآن بدأت المسيرة نحو الديمقراطية. والديمقراطية، كما ثبت من قبل العديد من التجارب في العالم وعبر التاريخ، تؤدي على المدى الطويل إلى رفاهية اقتصادية أعلى. الديمقراطية تطور المساءلة، والمساءلة تساهم في تحسين إدارة الشؤون العامة والحكم الرشيد الذي يؤدي بدوره إلى استخدام أفضل وأكثر كفاءة للموارد الشحيحة، وبالتالي لإنتاجية أقوى وارتفاع الناتج الاقتصادي. ولذلك، فإن احترام العملية الديمقراطية وحمايتها عبر دورات متكررة هو المدماك الأول في السعي لتحقيق النمو المستدام والتنمية.
لكن كما قال جون كينز في جملته الشهيرة: في المدى الطويل، سنكون جميعاً في عداد الأموات. الطريق إلى الاستدامة تتخللها تحديات قصيرة الأجل قد تعرقلها بسهولة إذا كانت الاستجابة للتحديات هي عبارة عن سياسات غير لائقة أو غير متناسقة نتيجة لتدابير شعبوية.
التحدي الأكثر إلحاحاً هو حقيقة أن عملية الانتقال تحمل آثاراً متضاربة: فمن جهة اولى نواجه حالة تفاقم الأوضاع الاقتصادية بشكل عام. ومن ناحية ثانية ، فان عملية الانتقال هذه ، تدفع نحو توقعات أعلى من الجمهور الذي يطالب بالمعالجة الفورية بشأن المسائل الملحة مثل خلق فرص العمل، وتطوير الرعاية الصحية، والتعليم، وشبكات الأمان الاجتماعي، وكلها نتيجة المطالب المكبوتة وغير المحققة على مدى عقود.
لماذا يؤدي التحول إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية؟ لأن طبيعة المرحلة الانتقالية عادة ما تكون غير سلسة وغير واضحة من حيث التخطيط الاقتصادي، مما يخلق أزمة ثقة، وبالتالي يعكس آثاراً سلبية على التجارة، السياحة، والاستثمار المحلي والأجنبي المباشر.
لكن في حالة العالم العربي، فإن ما يزيد من انعدام الثقة هو الاختلالات الأساسية العميقة طويلة الأمد والمتجذرة في الاقتصادات التي تمر بمرحلة انتقالية. وتشمل: ضعف الأطر المؤسسية والقضائية، التنظيم الصارم لأسواق العمل، وعدم كفاية القوانين التجارية وضعف بيئة الأعمال، ضعف الإدارة العامة الذي يشكل عقبة امام نمو واستثمار القطاع الخاص والبنية التحتية غير الكافية، اضافة الى ضعف النظم التعليمية أو عدم ملاءمتها لاحتياجات السوق، سوء تصميم شبكات الأمان الاجتماعي، وسوء الحكم.
تخيلوا أزمة اخذة في الاتساع على مستوى ميزان المدفوعات وسط عجز مالي ، وسيكون بإمكانكم عند ذلك فهم تعقيدات الاوضاع التي باتت امامنا.
معالجة القضايا طويلة الأمد أمر لا بد منه، وذلك من خلال إصلاحات هيكلية جريئة من شأنها أن تؤدي إلى بعض التقدم في إعادة توزيع السلطة والدخل، مما يجعل هذه العملية مكلفة وصعبة جداً.
في حين أن التخلص من الأنظمة القديمة كان مهمة صعبة، إلا أن تفكيك شبكة معقدة من القوى الاقتصادية ومراكز الأنظمة القديمة من أجل خلق بيئة اقتصادية أكثر تنافسية وإنتاجية وأكثر عدلاً، قد تكون أكثر صعوبة.
بعد ثورات الربيع العربي، يمكننا أن نتوقع ونأمل أن السلطات الناشئة لديها ما يكفي من القوة لمعالجة هذه القضايا. لكن لزيادة فرص النجاح، ينبغي أن يتحقق النمو الاقتصادي المرتفع وذلك لتقليل تكلفة إعادة التوزيع. لذا فإن السؤال هو كيفية تحقيق النمو وكيفية توليد المزيد من فرص العمل على المدى القصير، من أجل تلبية التوقعات المرتفعة في الوقت ذاته، فضلاً عن إعداد الأرضية للإصلاحات الهيكلية التي تشتد الحاجة إليها من أجل تعزيز التنمية المستدامة.
بعض الأسئلة التي اقترحت في مقدمة البرنامج والتي تم توزيعها، تشير برأيي إلى الاتجاه الخاطئ. الحل للتحديات هو بالتأكيد ليس خطوة إلى الوراء من مبادئ الليبرالية والأسواق المفتوحة العادلة؛ الحل ليس بحكومات أكثر وكأنها الملاذ الأخير، ولا هو بإدارة متخمة وغير فعالة لا تُحاسب وفقاً لأعلى معايير مراقبة الجودة والأداء؛ والحل ليس موجهاً نحو الإقراض التفضيلي للقطاعات ولا هو ضمن خطوط غير واضحة بين كل من السياسة النقدية والسياسة المالية والسياسة التجارية.
الوقت الآن هو تحد كبير للسلطات المنتخبة حديثاً للتنقل في خط رفيع بين التخلي عن الماضي، ولكن من دون العودة مرة أخرى إلى التجارب الفاشلة في العصور القديمة.
السيدات والسادة،
اسمحوا لي أن أوضح. قد يظن البعض أن الحرية الاقتصادية التي اعتمدتها الأنظمة الراحلة خلال السنوات القليلة الماضية، قد فشلت في تحقيق أهدافها مما يعني أنه من الأجدى العودة إلى الأسلوب القديم بإشراف الدولة على الاقتصاد بشكل أو بآخر. ذلك سيكون خطأ كبيراً، نحن بحاجة لاستخلاص الدروس الصحيحة، وليس الاستنتاجات المتسرعة.
حقيقة الأمر هي أن "الليبرالية"، بمعناها الحقيقي لم تنفذ بشكل كامل ولم تطرح حتى في العالم العربي، وبالتالي لا يمكننا أن ندعي بأنها باءت بالفشل.
استقرار الاقتصاد الكلي في دول الربيع العربي خَفَض العجز المالي في الفترات الأخيرة للأنظمة البائدة، وعمل على استقرار التضخم وسعر الصرف وأدى إلى تحسن في ميزان المدفوعات وتغذية الطفرة العقارية. ولكن ذلك اقترن مع عروض الخصخصة غير الشفافة التي باعت الأصول المملوكة للدولة لأطراف معينة؛ وفي كثير من الأحيان إلى الوكالات التنظيمية الهشة ومؤسسات ضعيفة - خاصة القضاء، وسياسات التنمية التي تدور حول الإعانات المكلفة بدلاً من تمكين فئة محدودي الدخل أو حتى شبكات الأمان الاجتماعي الفعالة.
شرارة الربيع العربي اندلعت ضد السياسيين ولكن أيضاً ضد التهميش الاقتصادي والاجتماعي،وكانت بمثابة تصويت بحجب الثقة عن السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي سادت في السابق. الرد المناسب على هذه التحديات يكمن في جدول أعمال إصلاحي سريع بمسارات ثلاثة.
المسار الأول، معالجة الإصلاحات السياسية والمؤسسية والقضائية وهو في غاية الأهمية لضمان المساءلة والشفافية، واحترام سيادة القانون، فضلاً عن الحكم الرشيد.
ان القوى المتوازنة إنما المنفصلة لدى السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، إلى جانب حرية الصحافة، هي الضمان الوحيد لتوفير نظام ضوابط وتوازنات فعال كجزء لا يتجزأ من الاستدامة.
المطلوب أيضاً ، خطاب سياسي يخاطب الناس بصراحة عن الواقع الاقتصادي، وتضحيات لا بد من القيام بها اليوم للوصول إلى قدرات محتملة عالية ، بدلاً من بيع الأحلام. وهناك حاجة شديدة إلى هذا الخطاب السياسي لإدارة التوقعات وحماية المرحلة الانتقالية.
المسار الثاني، جدول أعمال سياسات فعالة تعالج بطريقة شاملة وجذرية البنية العليا، من حيث سهولة ممارسة أنشطة الأعمال إلى ترقية القوانين المتعلقة بالأعمال والعمل، وذلك بهدف تشجيع الاستثمارات المحلية والأجنبية من قبل القطاع الخاص. وينبغي لهذا الجهد أيضاً أن يعالج تدابير تعزيز الإنتاجية التي تعمل ليس فقط على ترقية البنية الفوقية بل أيضاً وبنفس القدر من الأهمية البنية التحتية، والتي يمكن أن تتحقق ليس من خلال الميزانية، ولكن بشروط ميسرة من خلال صناديق التنمية العربية، والتي سوف تجلب معها بالإضافة إلى المساهمة في التمويل، اتساعاً وثروة من الخبرات والممارسات الأفضل.
وفي هذا السياق، فإن قرار زيادة رؤوس أموال هذه الصناديق من قبل القمة الاقتصادية العربية الأخيرة هو مبادرة في الوقت المناسب.
ان تطوير البنية التحتية يجب أن يكون مصحوباً بإنشاء، أو تمكين الجهات الحكومية التنظيمية في القطاعات الرئيسية مثل الطاقة والاتصالات والنقل لضمان جودة الخدمات والأسعار التنافسية.
أخيراً وليس آخراً بالتأكيد، فان المسار الثالث يتكون من تصميم شبكات الأمان الاجتماعي التي تتحرك بعيداً عن الإعانات المكلفة وغير الفعالة والتي تساعد أولئك الذين ينتهي بهم الأمر بأن يكونوا الأكثر استهلاكاً، وتكون أقرب إلى الدعم الموجه الذي يساعد على حماية الفئة الأكثر تضرراً من التغيير، وتوفر الأمن للأقل حظاً.
العرب لديهم ميزة "القادمين في وقت متأخر" التي تمكّنهم من استخدام تجربة البلدان الأخرى وشبكات الأمان الاجتماعي الحديثة التصميم التي تعزز ظهور طبقة وسطى، والتي يمكن أن تسهم بشكل كبير في النمو والاستقرار في المنطقة. مثالاً على ذلك بولسا فاميليا البرازيلية وهو نموذج ينبغي الاحتذاء به، وهذا يحدث فعلياً من قبل العديد من الدول التي تنتهج هذا النموذج، مما يجب أن يلفت نظر الحكومات العربية.
السيدات والسادة،
المسؤولية لا تقع فقط على البلدان التي تشهد تحولاً. في عالم مترابط على نحو متزايد، الغرب والدول العربية الغنية لديها مصلحة في رؤية نجاح عملية الانتقال. هذا من شأنه أن يكون الاستثمار غير المباشر في استقرارها وأمنها. الحاجة للنجاح حاجة عالمية وإقليمية لأن البديل سيكون مكلفاً للغاية.
ليس من الصائب ان تبقى المساعدة الفعلية ضعيفة بشكل كبير مقارنة بالتعهد الذي أعلن عنه خلال اجتماع قمة مجموعة الدول الصناعية الثمانية G8في دوفيل بشأن تخصيص مبلغ 80 مليار دولار لدعم اقتصادات دول الربيع العربي.
أوروبا، على الرغم من أزمتها، لديها الكثير لتقدمه، ليس مالياً فقط. إن تجربة إدماج الدول الاوروبية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ، وخاصة دور البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير، يمكن أن تكون تجربة مفيدة جداً بالنسبة للدول العربية التي تمر بمرحلة انتقالية.
هناك حاجة أيضاً لتكامل عربي-عربي قوي. وفي هذا الصدد، كنت تقدمت خلال القمة العربية الاقتصادية التي عقدت في الكويت في العام 2009 باقتراحات فيما يتعلق بتنمية عربية أقوى مع التكامل الاقتصادي الذي يمس العديد من القطاعات التي تتراوح بين الطاقة والنقل والمياه، والبيئة والأمن الغذائي، باعتبارها وسيلة لتقريب دول العالم العربي وردم الفجوات الآخذة في الاتساع بين شعوبها. هذه المشاريع الاستثمارية عبر الحدود هي وضع مربح للجانبين. فمن الضروري أن نلاحظ أن هذه المقترحات لا تقوم على مفهوم الصدقة أو الإحسان من أولئك الذين لديهم الكثير لأولئك الذين لديهم أقل، ولكنها تستند على مفهوم استثمار المنطقة في نفسها، في أمنها وبمعنى أوسع، في التنمية والرعاية الاجتماعية.
يتعين علينا أن نبدأ العمل لا أن نكتفي بالحديث، وهذا يتطلب إرادة سياسية. القمة الاقتصادية العربية التي عقدت مؤخراً في الرياض أطلقت بعض المبادرات، ولكن لنكن صادقين، نحن بحاجة إلى الانتقال من الأفكار إلى التنفيذ: لم يعد مقبولاً الحديث عن وجود السكك الحديد البينية: نحن بحاجة للبدء في بنائها! لم يعد مقبولاً الحديث عن المناطق الاقتصادية الحرة: نحن في حاجة لبدء ترسيمها، انطلاقا من هنا، في شمال أفريقيا ، حيث من المنطقي إلى ابعد حدود أن تفتح الحدود أمام التدفق الحر للناس، وللتجارة ورأس المال.
السيدات والسادة،
المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي يتغير وما حدث في شمال أفريقيا خلال الشهر الماضي ينبغي أن يكون بمثابة جرس إنذار. تم إهدار الكثير من الوقت. والكثير من الموارد. الولايات المتحدة لن تكون بحاجة إلى النفط العربي في العام 2020.، لقد حان الوقت لنسأل أنفسنا ما نحن ذاهبون لعرضه على بقية العالم في السنوات الـ 5، 10، أو 20 المقبلة. ماذا سيكون موقعنا على طاولة الاقتصاد العالمي؟
والسؤال الأكثر إلحاحاً: ما الذي نقوم بتقديمه لشبابنا، الذين هم أكبر مورد لدينا. البداية الصحيحة قد تكون من خلال النظر إلى الداخل والسؤال كيف يمكننا توفير القيمة المضافة التي نحتاج إليها؟ الحلول الكاملة والمستدامة لن تكون في إمكان أي دولة عربية لوحدها بغض النظر عن حجمها أو ثروتها.
الحكم الرشيد، الشراكة مع القطاع الخاص، والتكامل بين الدول العربية هو السبيل للانطلاق إلى الأمام إذا كنا جادين في معالجة العديد من التحديات الهائلة التي ستواجهنا في السنوات والعقود القادمة. فهل نحن جادون بما فيه الكفاية؟
أختم بسؤالي هذا وأشكركم على حسن المتابعة
