الرئيس السنيورة في المنتدى الاستراتيجي العربي في دبي: على عتبة العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين علينا مواجهة مواجهة التحديات الكبرى التي يفرضها استمرار الاحتلال الإسرائيلي وتمليها ضرورات العمل على تعزيز حرية الأوطا

-A A +A
Print Friendly and PDF

اعلن الرئيس فؤاد السنيورة : على عتبة العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، تواجه المنطقة العربية عدة قضايا متشابكة ومنها مواجهة التحديات الكبرى التي يفرضها استمرار الاحتلال الإسرائيلي، وتمليها ضرورات العمل على تعزيز حرية الأوطان في بعض المناطق العربية التي خضعت وتخضع للاحتلال والهيمنة، وأهمية السعي إلى تعزيز حرية المواطنين العرب، وفي أكثر من بلد عربي، في وجه الاستبداد والفساد الداخلي. وما تحمله التحديات المتشابكة معها من مشكلات المياه، والغاز والنفط، وطرق المواصلات، والممرات البرية والبحرية، في المشرق الأوسع، وما نجم وينجم عن التغيير الديموغرافي في سورية والعراق، والنزاعات المحلية المتعلقة بالنازحين والمهجرين، والانفجار السكاني في العالم العربي، وتزايد معدلات الفقر والأميّة.

واعتبر الرئيس السنيورة : إنه عِقدٌ شديد الخطورة- العقد الثالث من الألفية الثالثة- وهو العِقدُ الذي أدركته بعض الدول العربية. هو العِقدُ الذي قد يحصل فيه التغيير الكبير لصالح شعوبنا ودولنا وإنساننا، أو قد يكون هو العقد الذي تستمر فيه المشكلات وتتعاظم بالدواخل، ومع الإقليم والعالم الأوسع وتزداد الهوة ما بيننا وبين العالم الذي يعدو بسرعات متعاظمة نحو المستقبل بكل ما يعنيه ذلك من تباعد. نحن نستطيع بالفعل أن نتقدم، والفرصة مُتاحة إذا توافرت الإرادة والكفاءة والمسؤولية.

إني أرى أن لا خيار لدينا في العالم العربي إلاّ في التشارك والنهوض، ومحاذرة التلكؤ أو التراجع لكي نساهم بفعالية في صناعة مستقبل مشرق لبلداننا العربية

كلام الرئيس السنيورة جاء في مداخلة له في حلقة نقاشية تحت عنوان: "التحولات السياسية في الوطن العربي في العقد القادم"

“Forecasting the next decade 2020-2030”

في المنتدى الاستراتيجي العربي في دبي وفي ما يلي نص المداخلة:

 

أيها السيدات والسادة،

على عتبة العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، تواجه المنطقة العربية عدة قضايا متشابكة ومنها مواجهة التحديات الكبرى التي يفرضها استمرار الاحتلال الإسرائيلي، وتمليها ضرورات العمل على تعزيز حرية الأوطان في بعض المناطق العربية التي خضعت وتخضع للاحتلال والهيمنة، وأهمية السعي إلى تعزيز حرية المواطنين العرب، وفي أكثر من بلد عربي، في وجه الاستبداد والفساد الداخلي. وما تحمله التحديات المتشابكة معها من مشكلات المياه، والغاز والنفط، وطرق المواصلات، والممرات البرية والبحرية، في المشرق الأوسع، وما نجم وينجم عن التغيير الديموغرافي في سورية والعراق، والنزاعات المحلية المتعلقة بالنازحين والمهجرين، والانفجار السكاني في العالم العربي، وتزايد معدلات الفقر والأميّة. وسط هذه التحديات، لا تزال أنظمة الحكم في عدد من دول العالم العربي تعاني مع الأسف من استمرار انخفاض مستويات الحوكمة والحكم الرشيد التي من شأنها عند توفرها أن تصون وتعزّز المواطنة.

أيها السيدات والسادة،

كذلك تواجه المنطقة العربية تحدياتٍ مصيرية، فرضتها صراعات الدول الكبرى مع انتهاء نظام القطب الواحد والتحول إلى نظام متعدد الأقطاب إقليمياً ودولياً من جهة أولى وتلك التي تتسبب بها الأوضاع الإقليمية المتوترة من جهة ثانية. كل ذلك نشأت عنه محاور دولية وأخرى إقليمية وازنة في السياسات الإقليمية والعالمية، ولاسيما في منطقة المشرق الأوسع التي تضمّ العالم العربي وإيران وتركيا. وبالتالي يبرز التحديان الإيراني والتركي. وقد صار هذان البلدان في قلب المشرق العربي، وليس بالأنصار والمصالح وحسْب، بل وبالعسكر والسلاح والميليشيات. وإلى ذلك أيضاً هناك الدخولان الروسي والصيني في مقابل الانسحاب الأميركي التدريجي من المشرق العربي مع تبدل الأولويات لدى الولايات المتحدة.

هذا إلى جانب العديد من المشكلات الأخرى التي يواجهها العالم العربي، والتي تحول دون تمكنه من وضع رؤية واضحة ومتكاملة للتعامل مع مقتضيات المستقبل، ولاسيما الالتحاق بركب الثورة المعرفية ومواجهة تحدي الأمية الرقمية ومواكبة الذكاء الاصطناعي. هذه المعضلات تستوجب من العالم العربي جرأة واندفاعاً حتى يصبح مستعداً لمواجهة تحدياتها ومتطلباتها وفي مقدمها الاستثمار في البشر تعليماً وتدريباً وتوعيةً وتثقيفاً واتقاناً لعلوم العالم الجديد والتحضير لتحمل كلفة الاعداد لتطوير البنى الأساسية لتكنولوجيا المعلومات.

أيها السيدات والسادة،

من جهة أولى، استفادت إيران من الأخطاء الاستراتيجية الهائلة التي ارتكبتها الإدارة الأميركية بعد تدمير الدولة العراقية وحلّ الجيش العراقي، والتي أزالت أهم حاجز كان يعترض إيران في المنطقة العربية، مما سمح بالبدء بتحقيق الحلم الذي استمر يراودها منذ ألفي عام في التمدد نحو المتوسط، مستفيدةً من أذرعها المتنامية في الإقليم.

ومن جهة ثانية، نرى اليوم مشروعاً روسياً توسّعياً متكاملاً تتبلور ملامحه في الشرق الأوسط، بعد أن توافرت لروسيا فرصة مناسبة للتدخّل في الأزمة السورية عام 2015، لحسم الحرب الأهلية السورية لصالح بشار الأسد. ذلك ما وفّرته لها الولايات المتحدة الأميركية التي قدمت منطقة شرق المتوسط كهدية إلى روسيا، عبر عملية تسلّم وتسليم سلميّة للهيمنة بين دولتين عظميين متنافستين عسكرياً وسياسياً. وبالتالي، أصبحت روسيا اليوم لاعباً أساسياً في مشروع إقامة نظام عالمي جديد متعدّد الأقطاب. ونتيجة لذلك، استعادت روسيا حلم توسّع الإمبراطورية حتى المياه الدافئة في شواطئ المتوسط، ممّا أتاح لها المشاركة في سباق التسليح في منطقة الشرق الأوسط وفي مناطق أخرى، محققة بذلك أرباحاً استراتيجية ومادية ضخمة.

من جهة ثالثة، يبرز المشروع الصيني كمؤشر لدخول الصين كلاعب أساسي في النظام العالمي الجديد عبر مبادرة الحزام والطريق، وهي مبادرة أطلقتها الصين عام 2013، لتوسيع التجارة العالمية ودورها فيها، من خلال إنشاء شبكات من الطرق والموانئ والمرافق الأخرى عبر 65 دولة تشكّل 62% من سكان العالم. ومن المقدر لهذا المشروع الضخم أن يمرّ في منطقة المشرق الأوسع، بما في ذلك إيران وتركيا. ذلك ممّا يضع دول العالم العربي أمام فرصة حقيقية لتعزيز الاستثمارات في دولها، وبالتالي تعزيزاً لنموّها الاقتصادي. إلاّ أنها وفي المقابل تجد نفسها في مواجهة التحدي الذي يشكّله النفوذ الصيني الجديد وما يستدعيه من تدخلات أخرى في المنطقة.

وفي هذا السياق، تبرز هنا معضلة كبيرة في وجه الدول الغربية، وكذلك العربية الكبيرة، ولاسيما في ما يتعلق بالتحديات الجيوسياسية التي تفرضها الصين من جهة، وما تستدعيه الحاجة الماسة والمستمرّة لتقانة الجيل الخامس الحديثة من مشكلات من جهةٍ أخرى، خصوصاً وأنّه ومن المرجّح أن يكون للصين دور مركزي في تطويرها وبرمجتها. ذلك ممّا يحتّم على الدول الغربية والعربية المعنيّة أن تتعامل مع هذه المشكلات بحذر وحكمة من أجل التوافق على موقف موحّد ومشترك، يكون المرتكز وبشكل أساسي لمسألة أمن البيانات، وحماية حقوق ملكيتها ومنع التلاعب بها وإساءة استعمالها أو التصرف بها.

 

 

ومن جهة رابعة، هناك إسرائيل التي أسهمت التحولات المستجدة من جهة أولى، في إفساح المجال أمامها لكي تلعب دوراً وازناً، بشكل أو بآخر في المنطقة. وإن أدت ومن جهة ثانية، إلى زيادة حدّة هواجسها بشأن حجم المخاطر القادمة التي تهدّد أيدولوجية "الوطن اليهودي". وبالتالي تخوفها على مصائر وجودها. ولذلك نراها اليوم تعمل جاهدة على تعظيم الاستفادة من وجود الإدارة الأميركية الحالية التي تقوم بتقديم ضمانات استثنائية لإسرائيل خدمة لمصالحها الاستراتيجية. ومن ذلك مبادرة الولايات المتحدة إلى التخلّي الفاضح عن مواقفها السابقة في قضية الصراع العربي الإسرائيلي عبر نقل السفارة الأميركية إلى القدس المحتلة والاعتراف بالاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية وما يعنيه ذلك من إلغاء عملي من قبل الولايات المتحدة لفكرة حلّ الدولتين التي جاءت في المبادرة العربية للسلام.

أيها السيدات والسادة،

مع أفول هيمنة القطب الواحد على العالم، وتراجع الدور العربي الفاعل على الساحة الإقليمية والدولية، في مقابل السباق المحتدم بين مشاريع دولية روسية- صينية لملء فراغ القوة في المشرق الأوسع، شهدت المنطقة صعوداً للأجواء الإقليمية الأخرى المتمثلة بإيران وتركيا كقوى إقليمية عظمى في المنطقة إلى جانب إسرائيل، لتلعب كل منها دوراً مؤثّراً في المشهد الدولي. ولقد أسهمت في ذلك المنافسات والصراعات الدولية بين الأقطاب الدولية الثلاثة: الولايات المتحدة وروسيا والصين، وهو ما أفسح في المجال لإيران وتركيا للاستفادة من تلك الصراعات، حيث عززتا قوتهما المحلية وامتداداتهما وتدخلاتهما في الإقليم.

فمنذ ثمانينات القرن الماضي، شهدت المنطقة العربية تدخّلاً إيرانياً غير مسبوقٍ في شؤون المنطقة الداخلية. إذ اتخذت إيران من القضية الفلسطينية المحقّة شمّاعة لتبرير طموحاتها التوسعية في المنطقة، وذلك في تعدٍّ صارخ على سيادة الدول العربية وعلى حقها بتقرير مصيرها، وهو ما ظهر في تدخلاتها المباشرة في سياسات ومصائر أربع دول عربية.

أيها السيدات والسادة،

إنّه من الطبيعي أن نتساءل حول مصير العالم العربي في ظل هذا النظام العالمي الجديد، خاصّةً وأنّ المنطقة العربية تواجه تحديات استراتيجية خطيرة في غياب واضح وصارخ للدور العربي في منطقته ولدور جامعة الدول العربية في رسم السياسة الإقليمية في هذا الجزء من العالم.

 

والنتيجة تبقى مرهونة بمدى قدرة العالم العربي على بناء وتبني وتنفيذ خطّة استراتيجية ومحكمة لوضع حدّ للتمادي الإسرائيلي الإقليمي من جهة أولى، ولتمادي النفوذ التركي والإيراني في جهةٍ أخرى.

أمّا نجاح هذه الخطة، فهو متوقف وبشكلٍ أساسي على مستقبل العلاقات العربية- العربية، والعربية- الإيرانية، والعربية- التركية، حيث يقع على عاتق الدول العربية والجامعة العربية واجب التوصل إلى رؤية جديدة قائمة على التعاون الاقتصادي ونشر الديموقراطية وتعزيز مستويات الحوكمة.

وهنا تبرز المعضلة الخطيرة التي تستدعي من القيادات العربية الحكيمة التحلي بالجرأة والوعي لتوحيد وتصويب البوصلة العربية انطلاقاً من فكر عربي جامع يتجاوز القيود الطائفية والمذهبية والقبائلية والجهوية، ويحرص على تعزيز التعاون والتكامل فيما بين الدول العربية، بما يعزز مجالات النمو والتنمية ويسهم ويؤدي إلى تحسين مستوى ونوعية إدارة الثروات الضخمة لتلك الدول. ويجعلها بالتالي قادرة وبصورة حاسمة على المنافسة الاقتصادية، ومما يجعل لتوجهاتها المشتركة ثِقَلٌ في السياسات الإقليمية والعالمية.

 

في خضم تلك المصاعب التي يعيشها عالمنا العربي المشتّت اليوم لربّما بدأنا نشهد بصيصاً من الأمل عبر مبادرات في كل من تونس والسودان لإصلاح أنظمتهما بما يعزز الالتزام بمبادئ الديموقراطية والدولة المدنية العادلة. وهما البلدان اللذان حققا خطوةً أولى على طريق طويل في تجاوز الاستعصاءات الداخلية وأفرزا قيادات جديدة تسعى إلى محاكاة طموحات شعبيهما، وحيث كان للمرأة دور فعّال فيهما.

أيها السيدات والسادة،

المرحلة اليوم باتت معقّدة وخطيرة وتستوجب اعتماد نظرة رؤيوية للمستقبل مبنية على الحقائق الجغرافية من جهة، وعلى نظرية المصالح المشتركة من جهة أخرى. ذلك ممّا يحتّم على الدول العربية النظر في مجالات التشارُك في حوارٍ عقلاني وجدّيٍ مع كل من تركيا وإيران للتأكيد على مجالات التعاون الحقيقي بعيداً عن منطق وممارسات التسلط والهيمنة. فالمنطقة تواجه مشكلات وتحديات متشابكة لا يمكن تفاديها ولا يمكن حلّها إلاّ بالتعاون والتساند، حيث أنّ العالم العربي وبكل بساطة لن يستطيعَ أن يغيّر الجغرافيا.

 

هذا الواقع يحتّم العمل على إيجاد بيئة مؤاتية للمبادرة إلى صيغ ومشاريع مشتركة وأفكار تتوافق مع تحديات وروح العصر، بداية مع تركيا. وهذه القضايا التي تعرف "بقضايا التكامل" تبدأ من خلال معالجة جزء من أزمة المياه الحقيقية في كلٍّ من سوريا والعراق، والتي تدعونا إلى التحلي بالعقلانية لصون العلاقات العربية- التركية، خصوصاً وأنّ المياه الصالحة للشرب تأتي وفي معظمها إلى هذين البلدين العربيين من تركيا. ذلك وصولاً إلى معالجة المسائل المتعلقة بطرق المواصلات البرية والبحرية في المشرق الأوسع، ومسألة الغاز والنفط.

إنّ هذا يقتضي السعي مع تركيا حتى تبتعد عن أوهام الأيديولوجيا، كما يتطلب العودة إلى قواعد الدولة المدنية والمصالح المشتركة لكي يقوم العالم العربي بصوغ هوية مركبة تخدم مصالحهما الاستراتيجية المشتركة، لا بل وبما يمكنهما أن يشكلان مثالاً ونموذجاً يحتذى به في العالم الإسلامي لبناء دول مدنية متنورة تدعو للتسامح واحترام وقبول الآخر. فينتقل هذا النموذج كالعدوى الحميدة إلى دول العالمين العربي والإسلامي.

من الجانب الآخر، فإنّ المشكلة مازالت تتعاظم في العلاقة مع إيران والتي يجب دعوتها إلى تجاوز الهويات الجزئية والمحلية والفرعية بعيداً عن أوهام تصدير الثورة للتركيز على فكرة التعاون الندّي المبني على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان العربية، وعلى الاحترام المتبادل.

لقد أصبح واجباً على كل من إيران وتركيا أن تتخلّيا عن التشدّد، وهو ما أصبحتا عليه في ثقافتهما السياسية، وأن تبادرا كل منها إلى العمل على حلّ المشكلات العالقة مع جوارها العربي إلى جانب التعاون والتساند لتفعيل دورهما الإقليمي خاصة لجهة دعم ولادة الشريك العربي.

في الحقيقة، إيران وتركيا معاً أو منفصلتان تحتاج كلٌّ منهما إلى الشريك العربي. فليس منطقياً ولا قابلاً للاستمرار أن تقوما بإخضاع بعض الدول العربية لمصالحهما السياسية والإقليمية والاقتصادية بالعسكر والميليشيات المحلية.

أيها السيدات والسادة،

لقد آن الأوان بعد سنوات من الصراع والآلام والوعود المنسية لاستعادة الكرامة، أن ننتقل من مرحلة زعزعة الاستقرار والتجاذبات والمشاكسات إلى مرحلة السلم والتعاون فيما بيننا. فلنتخيّل سوقاً اقتصادياً مشتركاً يجمع دول العالم العربي وإيران وتركيا، سوقاً يربط الشرق بالغرب يكون مبنياً على صيغة وهوية جديدة تصون الحرية والمبادرة الفردية والعمل المشترك. إسرائيل لا تخاف منا إذ كان التعصب والعنف والانغلاق مسيطراً على دولنا وعلى أفكارنا، لأنها أكثر من يتقنه، بل تخاف منا حين نكون دولاً مدنية ديموقراطية منفتحة وقوية تتعاون اقتصادياً وعلمياً وثقافياً.

مشكلاتنا الكبيرة والمستعصية في العالم العربي مازالت تتفاعل وتحجب عنا رؤية ما ينبغي أن يكون عليه واقعنا خلال العقد القادم، وما يجب أن يكون عليه مستوى تلاؤمنا مع مقتضياته. وهذه المشكلات نتجت وتتفاقم من جهة أولى بسبب استمرار الاضطرابات السياسية في الوطن العربي، وزيادة حدة المشكلات الداخلية والمشاكسات والقطيعة بين تلك الدول من جهة ثانية. وكذلك بسبب استمرار اللامبالاة بمصالح شعوب المنطقة التي تعرضت لخسائر بشرية ولحروبٍ مدمّرة من جهة ثالثة.

كما هي قد نتجت أيضاً عن تفشي الاستبداد والفساد في بعض الدول العربية، بحيث أصبحت بعض الأنظمة العربية هشّة غير قادرة على مواجهة تحديات العقدين الأولين من هذا القرن وحتماً غير قادرة على مواجهة التحديات العلمية والتقنية والتكنولوجية والاجتماعية للعقد الثالث من هذا القرن.

والحقيقة أنّ بعض أنظمة الحكم الاستبدادي لم تستوعب حتّى اليوم أن المسار المتبع من قبلها بات يسير عكس مسار التاريخ ويقودها نحو المزيد من الجهل والفقر والتخلّف والتطرف والقلاقل مما زاد من هشاشة وعدم استقرار تلك الدول.

 

العرب، وكما ثبت من خلال ربيعهم القصير الأجل المفعم بالحياة وما تعبر عنه هذه الانتفاضة الشبابية الأخيرة في لبنان، يطمحون إلى حياة كريمة وسلمية في مجتمع مدني ديموقراطي وليبرالي يحترم حرية الفكر والإيمان والتعبير والمساواة بين جميع مكوناته بغض النظر عن الخلافات العرقية او الدينية، ويعتمد مرجعية المواطنين ومصالحهم في إقرار الدساتير والقوانين.

أيها السيدات والسادة،

الحلّ الوحيد أمامنا كدول عربية اليوم يكمن في العودة إلى تصويب بوصلتنا نحو العروبة، كما عرّفها إعلان الرياض في العام 2007، باعتبار أن "العروبة ليست مفهوماً عرقياً عنصرياً، بل هي هوية ثقافية موحِّدة تلعب اللغة العربية دور المعبر عنها والحافظ لتراثها، وإطار حضاري مشترك قائم على القيم الروحية والاخلاقية والانسانية، يثريه التنوع والتعدّد والانفتاح على الثقافات الانسانية الاخرى، ومواكبة التطورات العلمية والتقنية المتسارعة دون الذوبان او التفتت او فقدان التمايز، وفي تفعيل دور جامعة الدول العربية من جديد لكي تجمع دولنا على القيم التي تلاشت مع الزمن".

 

هناك إذاً حاجة لدى القوى المعنية في المشرق العربي لأن تسعى إلى بلورة رؤية لهوية مركبة تكاملية بعيدة عن اعتبارات الأيديولوجيا انطلاقاً من المشرق وإلى جميع أقطار العالم العربي وإقليم المنطقة المحيطة بإيران إلى تركيا وما يجاورهما. فمسألة الانتماء تستحق حلقات تفكير جديدة من أجل صياغة هوية جامعة تتجاوز الهويات الجزئية والفرعية. من أجل تخطي حروب الهويات القاتلة. كما أنها تفتح في المقابل باب التفاهم حول المصالح المشتركة، عبر صيغ التساند وعبر بلورة مفهوم حضاري لهوية مركبة ذات أبعاد متعددة مترابطة من الخاص والمحلي والوطني والإقليمي والقاري والعالمي، لأن الإنسان من خلال وعيه وإرادته يحقق التفاعل ضمن دوائر تصاعدية تنطلق من المتحد/ الجغرافي الصغير إلى المتحد/ الاجتماعي الأكبر.

أيها السيدات والسادة،

إنّ هذا يقتضي من الدول العربية إعادة النظر في عدة قضايا أساسية كفيلة بأن تصوب بوصلة العالم العربي إلى مسارات نمو ورقي مستدام:

  1. العودة إلى موقف عربي جامع من أجل التوصل إلى حل نهائي وعادل للقضية الفلسطينية المحقّة، استناداً إلى المبادرة العربية للسلام (بيروت، 2002) قائم على حلّ الدولتين.
  2. الولوج الشجاع والرصين نحو الإصلاح الديني من طريق النهوض الفكري والحيلولة دون نشوء أجيال جديدة على التطرف وعلى معاداة دولنا الوطنية ونشر العنف في العالم. هذا ما يتطلب تقوية المؤسسات الدينية المستنيرة والمنفتحة والعاملة على تجديد الخطاب الديني الذي يحض على العلم والتعلم ويؤكد على ثقافة العمل والإنتاج، ويشجع على التفكير النقدي في مجتمعاتنا من أجل تغيير الرؤية للعالم لدى أجيالنا القادمة.
  3. التركيز على الخروج بموقف عربي جامع يصدر بموجبه موقف واضح ورافض للتدخلات الإيرانية على الدول العربية. مع التأكيد في المقابل على التقدم بلفتة إيجابية بمد اليد نحو إيران ودعوتها للتعاون مع دول المنطقة بما يفيد المصالح الاستراتيجية للطرفين. ولكن هذه المبادرة مشروطة بإقرار إيران بعدم التدخّل في السياسات والقرارات الداخلية للدّول المعنية قائمة على الندّية والاحترام المتبادل. كذلك الامر بالنسبة لتركيا حيث يجب دعوتها الى التعاون.
  4. تعزيز قيم الاعتدال والانفتاح في بلدان العالم العربي والتأكيد على الانفتاح الذي من شأنه أن يفرز قيادات جديدة تعتبر أنّ التنوّع الفكري والعرقي والديني والثقافي ثروة بشرية عظيمة للعالم العربي. ذلك مما يسهم في ابتكار صيغ من اللامركزية التي تحترم دور الدولة الوطنية المدنية، وتعددية الخصوصيات الثقافية.
  5. تشجيع الدول العربية على أن تقوم بنفسها ببرامجها الإصلاحية. فالدول تقوم بالإصلاح عندما تكون قادرة عليه، وليس عندما تصبح مجبرة على القيام به، لأنّه في حينها تصبح عملية الإصلاح باهظة الكلفة وشديدة الأوجاع والآلام.
  6. تفعيل دور الجامعة العربية لأنها المساحة المشتركة الأفضل لتعزيز التعاون بين الدول العربية. وهذا التعاون لا مفرّ منه إذا توفّرت لدينا النية لاستعادة العروبة والعمل على تطوير أسواق عربية مشتركة.

أيها السيدات والسادة،

ختاماً، في عالمٍ مضطرب، تتعدد فيه القوى الإقليمية والدولية، كما تتعدد فيه التحديات الإقليمية والعالمية، يكمن مستقبل العرب في التنبه إلى أمور ثلاثة: الهوية والانتماء الذي يبعث على الاجتماع، والمناعة المتنامية التي تقوّي الاستقرار الداخلي وقوة الدولة الوطنية العادلة، والتكتل الذي يدفع باتجاه التوازن والمشاركة ضمن المحيط القريب، ومع العالم.

ولما تقدم كلّه، أُوجزُ تصوري في نقاطٍ محدَّدة:

أولاً: نحن العرب محتاجون إلى نهوضٍ وتنمية شاملة للخروج من الاضطراب، والإقبال على معالجة ملفات الدولة العصرية الكثيرة، والتي لم تعد تنتظر.

ثانياً: هناك كجزء أساسي في التنمية الشاملة نحن بحاجةٍ شديدةٍ لإصلاح نظام الدولة الوطنية، وبحاجةٍ شديدةٍ للتكتل على أساس الانتماء المشترك والواسع، والمصالح المشتركة، للتعاون فيما بيننا من جهة، والتوازن مع الإقليم والعالم من جهة أخرى.

ثالثاً: تغير المشهد الاستراتيجي خلال العقود الثلاثة الماضية في المنطقة وما يزال العالم يتغيّر، مما يجعل المناعة والكفاءة شرطان أساسيان للتلاؤم وبلوغ أفق الشراكة. هناك تغوُّلُ العدو الإسرائيلي من ناحية أولى، وهناك احتدام الخصومة الشديدة مع إيران من جهة ثانية، وهناك تناقض في السياسات والمصالح مع تركيا من جهة ثالثة. وهناك رابعاً الانسحاب الأميركي والتقدم الروسي والصيني. وبالتالي فإنّ الكلام عن الهوية المركبة المشرقية والإسلامية، والمقصود به هو كيف نتعامل مع الجوار الإيراني والتركي، وكيف نصل إلى الحلّ الاستراتيجي مع هاتين الدولتين. حتى الآن ما أمكن بلوغ شيء محسوس مع إيران ومع تركيا. وينبغي أن يكونَ ذلك ممكناً أو أن يصبح ممكناً. ويتوقف التغيير الإيجابي لهذه الجهة على قوة الدول العربية ومناعتها، وعلى التعاون فيما بينها والتحدث مع الجوار بصوتٍ واحد. أما إسرائيل فلا بد معها من حلّ الدولتين، ومن الخطة العربية للسلام للعام 2002.

رابعاً: تنتهي المشكلات مع الولايات المتحدة بالانسحاب، فلا بد من صيغةٍ أُخرى وجديدة للتعامل حتى لو تمّ الانسحاب. وبين بعض دولنا وأميركا علاقات ثنائية جيدة، لكنها لم تكن كافية في فلسطين. لا بد أن نكون معاً عندما نتحدث مع الأميركيين، ولا نترك الفلسطينيين والأردنيين وحدهم.

خامساً: ولدينا بشكل ثنائي علاقات ما بين جيدة إلى ممتازة مع الروس والصينيين. لكنها لم تكن كافية في سورية وفي غيرها. فلا بد إلى جانب التسلح والعلاقات التجارية، ان نبلغ وبشكلٍ جماعيٍ أو تكتل إلى حدود الشراكة الاستراتيجية.

 

إنه عِقدٌ شديد الخطورة- العقد الثالث من الألفية الثالثة- وهو العِقدُ الذي أدركته بعض الدول العربية. هو العِقدُ الذي قد يحصل فيه التغيير الكبير لصالح شعوبنا ودولنا وإنساننا، أو قد يكون هو العقد الذي تستمر فيه المشكلات وتتعاظم بالدواخل، ومع الإقليم والعالم الأوسع وتزداد الهوة ما بيننا وبين العالم الذي يعدو بسرعات متعاظمة نحو المستقبل بكل ما يعنيه ذلك من تباعد. نحن نستطيع بالفعل أن نتقدم، والفرصة مُتاحة إذا توافرت الإرادة والكفاءة والمسؤولية.

إني أرى أن لا خيار لدينا في العالم العربي إلاّ في التشارك والنهوض، ومحاذرة التلكؤ أو التراجع لكي نساهم بفعالية في صناعة مستقبل مشرق لبلداننا العربية. وكما يقول الشاعر:

"إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة       فإنّ فساد الرأي أن تترددا"

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.