الرئيس السنيورة لمحطة DMC المصرية: لبنان يعاني من حالة انكار يمارسها رئيس الجمهورية الذي يمتنع عن القيام بدوره الأساسي كرمز لوحدة الوطن

أجرت قناة DMC المصرية حواراً مع الرئيس فؤاد السنيورة حول تطورات الأوضاع في لبنان قس ما يلي نصه:
س: نرحب بالسيد فؤاد السنيورة رئيس الوزراء اللبناني الأسبق معنا من بيروت عبر سكايب.
ج: مساء الخير لك ولجميع المشاهدين وشكرا على هذه الاستضافة وشكرا على الاهتمام بقضايا لبنان.
بدايةً، لقد كانت مبادرتك في التطرق للمشكلات التاريخية والعميقة التي يعاني منها لبنان جيدة وموفقة في كونها تسلّط الضوء على حقيقة وتجذر هذه المشكلات.
الحقيقة أنّ لبنان يعاني من مشكلات وتأزم خطير وكبير ليس فقط منذ ثلاثين سنة، ولكن منذ ما قبل ذلك. فلبنان يعاني الأمرّين وعلى الأقل منذ أكثر من خمس وأربعين سنة، ومنذ اندلاع الحرب الاهلية في لبنان في العام 1975. فلقد تعرّض لبنان خلال هذه السنوات الخمسة والأربعين الماضية لحروب أهلية داخلية ولأكثر من خمسة اجتياحات واحتلالات إسرائيلية، وهو قد أصبحت سيادته منقوصة على مدى كل هذه السنوات أكان ذلك بدايةً من خلال القبضة القوية التي مارستها عليه المنظمات الفلسطينية في وقت سابق وخلالها وبعدها في الاعتداءات والاحتلال الإسرائيلي، وكذلك بعدها وخلالها للقبضة القوية للنظام الأمني السوري- اللبناني، وبعد ذلك لحزب الله والتسلط الإيراني، وانّه وخلال هذه الخمسة والأربعين سنة كان لبنان يعاني من أوضاع وطنية وسياسية خطيرة وكذلك لأوضاع اقتصادية ومالية ونقدية صعبة، حيث أنه، وعلى مدى هذه السنوات الخمس والأربعين، كان لبنان يسجّل سنة بعد أخرى عجزاً مستمراً في موازنته السنوية وفي الخزينة العامة، وهو العجز الذي كان يتحول إلى دين عام متعاظم ومرهق.
صحيح أنّه كانت هناك معالجات، ولكنها كانت دائماً قاصرة ومقصّرة ومتأخّرة. وفي المقابل، فإنّ هناك استعصاء مزمن لدى المجالس النيابية وبعض الحكومات المتعاقبة والسياسيين عن القيام بالإصلاحات التي كان ينبغي ان يصار الى تبنيها والالتزام بها والمثابرة عليها. وبالتالي كانت الأمور العامة في لبنان تنحو وباستمرار نحو المزيد من التدهور إلى أن أصبحت الأوضاع العامة في لبنان على ما هي عليه الآن.
س: هل نستطيع ان نقول ان فقط ما يحدث على الأراضي اللبنانية هو نتيجة صراعات إقليمية ودولية أم أن هناك أيضاً مشاكل داخلية ما بين الأطراف في لبنان هي ما أدت إلى تفاقم الازمة وبالتالي تفاقم الوضع الاقتصادي الى هذا الحد؟
ج: من دون أدنى شك أنّ هناك عوامل داخلية أساسية كانت تفاقم الانعكاسات والتداعيات الناتجة عن الأحداث والتدخلات الإقليمية والدولية. وهنا لا أقصد بكلامي هذا فقط العوامل الخارجية. إذ إنّ العوامل الداخلية أيضاً لعبت دورها وبشكل كبير، ولاسيما تلك المتعلقة بالأهداف والمطامع الشخصية للعديد من الأحزاب السياسية الداخلية، الطائفية والمذهبية والميليشياوية، ولاسيما لجهة انجراف أحزاب بعينها كانت تطبق وتلتزم بسياسات تمليها عليها الدول الخارجية مثلما كان يجري مع الأحزاب التي يسيطر عليها النظام السوري ومثلما يجري الآن بالنسبة لإيران وعبر حزب الله. هذه الأمور تضافرت مع بعضها بعضاً وأدت الى ما وصلت إليه الأحوال في لبنان الآن من انهيارات كبرى وعلى أكثر من صعيد.
كذلك كان أيضاً الدور الذي لعبته بعض الأحزاب الداخلية في لبنان من خلال الاستعصاء وعدم الإقرار والالتزام بالسياسات الإصلاحية بضرورة تنفيذ برامج الإصلاح من أجل تحقيق التلاؤم المستمر مع المتغيرات السياسية والاقتصادية الجارية في لبنان والعالم من حولنا. كل هذه الأمور أدت الى حدوث هذا التقصير والقصور الفاضح والمستمر في عدم القيام بما تمليه الأوضاع المستجدة من تحولات ومتغيرات وإصلاحات.
ولنأخذ مثلاً مناقضاً لذلك، ويتعلق بما مرت به وما قامت به جمهورية مصر العربية لجهة القيام بجملة من الإصلاحات والتحولات الاقتصادية والمالية والإدارية، وهو مما مكّن مصر من أن تحدث التحولات والتغييرات والإصلاحات التي كانت تحتاجها إلى حيث وصلت إليه مصر الآن على صعيد إجراء الإصلاحات وها أنتم الآن تمرون بمرحلة استعادة النهوض الاقتصادي في مصر واستعادة النمو والمعافاة الاقتصادية والمالية.
س: الم يحن الوقت في لبنان بعد الانهيار الاقتصادي الكامل، والتي يعاني منها المواطن البسيط وحضرتك عارف قدي ايه ناس فقدت شغلها وقد ايه ناس حاولت ان تترك البلد بحثا عن فرص عمل وحياة. اليس هذا وقت مناسب لكي يحدث توافق داخلي داخل السلطة لمصلحة لبنان لان الوضع يسير الى الأسوأ.
ج: نعم، وبدون أدنى شك، ان لبنان الآن يمر بأزمة غير مسبوقة بحجمها وأيضا بتأثيراتها ودلالاتها. ولكن- وياللأسف- وفي مواجهة هذه الأزمات والانهيارات، فإنّ ردّة الفعل ليست على المستوى المطلوب. إذ وبدلاً من المسارعة إلى القيام بتسهيل تأليف الحكومة الجديدة والبدء بإجراء الإصلاحات، فإنّ لبنان يعاني الآن ومنذ سبعة أشهر من حالة انكار يمارسها رئيس الجمهورية الذي يمتنع عن القيام بدوره الأساسي كرئيس للجمهورية، وهو الدور الذي يتطلّب منه أن يكون الحكم بين القوى السياسية والساهر على احترام الدستور. وليس ملتزماً بتنفيذ أجندة حزب سياسي معيّن في لبنان، أكان ذلك الحزب الذي أسّسه رئيس الجمهورية، وهو التيار الوطني الحر أو حزب الله. كذلك ولاسيما بكون رئيس الجمهورية أصبح يحصر ويركز اهتمامه وعينه على الانتخابات الرئاسية القادمة التي من المفترض أن تتم بعد حوالي 19 شهراً، وذلك في سعيه للعمل على توريث صهره لكي يصبح رئيساً للجمهورية مكانه. وهو الأمر الذي يناقض دستورنا اللبناني ونظامنا الديمقراطي البرلماني.
س: عن أي انتخابات والشعب الكثير الموجود في الشارع وفي ناس تتشاجر من اجل كيس من الحليب. أي انتخابات واي حلم يراود أي شخص سياسي والبلد ينهار بهذا الشكل؟
ج: هذه هي المأساة وهذا ما اسميه حالة الانكار لدى رئيس الجمهورية ولدى الأحزاب الموالية لسوريا والموالية لإيران. إنّه وبالإضافة إلى استعصاء رئيس الجمهورية، فإنه ومن الجانب الآخر، هنالك التأثير الذي يمارسه عليه حزب الله، وهو الذي يتلطى وراء رئيس الجمهورية ويؤيد الشروط التي يحاول رئيس الجمهورية أن يضعها بما يحول في محصّلة الأمر دون تأليف حكومة إنقاذية للبنان. وهمّ الحزب من ذلك، هو أن يستمر في الاحتفاظ بالورقة اللبنانية ليضيفها إلى جملة الأوراق الأخرى التي تحتفظ بها الجمهورية الإسلامية الإيرانية أكان ذلك في العراق أم في سوريا أم في اليمن من اجل استعمالها لتعزيز القدرة التفاوضية لإيران مع الولايات المتحدة الأميركية.
هذا التعاون بين الاثنين- رئيس الجمهورية وحزب الله- هو الذي يبقي الحال في لبنان مجمداً، وبالتالي يزيد من حدّة الانهيارات الحاصلة، وكذلك يزيد من حدّة المآسي الكبرى التي يتعرض لها لبنان ويتعرض له اللبنانيون.
يا سيدتي، في لبنان هناك انهيار كبير في الثقة لدى اللبنانيين بالدولة اللبنانية وبالحكومات اللبنانية وبرئيس الجمهورية بالمنظومة السياسية ككل نتيجة إحجام هذه الأطراف عن ملامسة القضايا الأساسية، وعدم التصدي بفعالية لتلك المشكلات. وبالتالي عدم العمل على حلها. وهذا الامر الذي نراه الآن ما زال مستمراً. تجدر الإشارة إلى أنّ الرئيس ماكرون عندما جاء الى لبنان واجتمع مع كل أولئك السياسيين، وهو قد تفاهم وإياهم على تأييد تأليف حكومة إنقاذ من أصحاب كفاءات مستقلين ومن غير الحزبيين لتكون حكومة إنقاذ ذات مهام محددة، وهذا ما لم يتحقق حتى الآن.
س: اجل وعد ان سيتدخل وسيكون هناك تبرعات ومظلة الكبيرة لدعم الاقتصاد اللبناني. اين ذهب كل هذا الكلام؟
ج: أجل ووعدوه بذلك، وذلك عندما اقترح ان تكون مبادرته من أجل أن تتألف حكومة إنقاذ ذات مهام محددة لكي توقف الانهيار الكبير الحاصل. لكن الامر دخل في زواريب السياسات المحلية والمصالح السياسية الضيقة، وأصبح همّ الأحزاب الطائفية والمذهبية، هو في أن تتألف حكومة من السياسيين بدلاً من أن تكون حكومة من الاختصاصيين غير الحزبيين ولكن المستقلين، وأن لا يكونوا مستفزين لتلك الأحزاب. هذا الامر تراجع عنه حزب الله وتراجع عنه رئيس الجمهورية وها نحن لانزال وحتى الآن نعاني الأمرين.
أنا قلت قبل فترة ان رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة لديهما خيار من خيارين اثنين؛ عليهما أن يختارا واحداً منهما. فإما أن يصار إلى تأليف حكومة من السياسيين فإن هذه الحكومة لن يكون بإمكانها أن تحظى بثقة اللبنانيين الذين يريدون أن تتألف حكومة من الاختصاصيين غير الحزبيين. وبالتالي تولد هذه الحكومة ميتة، ولن تستطيع بالتالي ان تحصل على ثقة المجتمعين العربي والدولي وحتما لن تحصل على ثقة صندوق النقد الدولي الذي يريد حكومة تنفذ إصلاحات. ومن ثم لا تستطيع هذه الحكومة أن تقدم شيئاً للبنانيين، وتكرر بذلك فشل سابقاتها. أو أن تتألف حكومة من الاختصاصيين الكفوئين القادرين أن يؤلفوا فيما بينهم حكومة إنقاذ، ويكوِّنوا بالتالي فريق عمل يحظى بثقة اللبنانيين وثقة المجتمعين العربي والدولي.
س: كان هناك كلام انه سيكون في بعض الضغوطات من قبل الحكومة الأميركية لتحسين الوضع الضغط على تشكيل الحكومة لإعادة الاستقرار السياسي ومن ثم يعود الاستقرار الاقتصادي.
ج: إنّ ما ألحظة الآن، أنّ هناك كلام كثير واوهام كبرى والهاءات عديدة تتم من اجل حرف انتباه اللبنانيين عن المشكلات الأساسية. لبنان لديه مشكلات أساسية بكونه منزوع السيادة ولديه مشكلات أساسية في أن الدويلة داخل الدولة تقبض على جميع مفاصل الدولة اللبنانية وأعني بذلك دويلة حزب الله، هذا هو الأمر الجوهري.
الاقتراح الفرنسي كان وسيلة للنأي بالنفس عن هذه المشكلات وبالتالي يكون ذلك بتأليف حكومة غير مستفزة للأحزاب ولكنها على الأقل تستطيع ان تؤلف فريق عمل تتمكن بموجبه الحكومة اللبنانية الجديدة من ان تقوم بالإصلاحات التي يحتاجها لبنان.
اما إذا تألفت حكومة من السياسيين على شاكلة الحكومات الماضية، فإن لبنان سوف يقع من جديد في ذات الفشل ولا يستطيع بالتالي أن يخترق أو يوقف الانهيار المتسارع في لبنان.
