الرئيس السنيورة لـ الحرة: الحل بانتخابات رئاسية مبكرة كما جرى مع الياس سركيس

اجرت الاعلامية منى صليبا من قناة الحرة حوارا مع الرئيس فؤاد السنيورة ضمن برنامج المشهد السياسي تطرق الى الاوضاع الراهنة من مختلف الجوانب وخصوصا نتائج الانتخابات النيابية وفي ما يلي نصه:
س: أهلاً بكم إلى حلقة جديدة من برنامج المشهد اللبناني، المشهد من بعد الانتخابات لم يثمر حتى الساعة انفراجات سياسية في انتظار ما سوف تحمله الأيام والأسابيع المقبلة على خط جلسة انتخاب رئيس المجلس النيابي ثم الانطلاق إلى الاستحقاق المنتظر لتشكيل الحكومة العتيدة، فهل سوف يكون تكليف شخصية لرئاسة الحكومة ثم تأليف الحكومة مهمة معقدة، وكيف ستنعكس التوازنات الجديدة في البرلمان على قواعد التأليف والتكليف التي كانت سائدة في السنوات الأخيرة، وكيف ستتأثر تلك القواعد بتعليق تيار المستقبل للعمل السياسي، واعتكاف رؤساء الحكومات السابقين عن الترشح للانتخابات النيابية، وما هي احتمالات الدخول في الفراغ الحكومي الطويل. هذه الأسئلة وغيرها سوف أطرحها على ضيفنا رئيس الحكومة اللبنانية الاسبق فؤاد السنيورة. أهلاً وسهلاً بك يا دولة الرئيس، ولكن قبل البدء في حوار هذه الليلة سوف نستمع إلى هواجس اللبنانيين في هذه المرحلة عبر هذا التقرير المعد مسبقاً. هل هي مبررة هواجس اللبنانيين التي استمعنا إليها دولة الرئيس؟
ج: دون أدنى شك، أنّ هذا الذي سمعناه الآن يعبّر عن هواجس عميقة لدى اللبنانيين بما خصّ ثقتهم بالغد. لقد بدا واضحاً أنّ ليس لدى اللبنانيين ثقة بالغد، وما قد يحمله هذا الغد، وذلك إذا لم تتغير الممارسات حتى اليوم لتغيّر الغد نحو الأحسن. الذي شاهدناه خلال السنوات الماضية هو تكرار لممارسات جرى بموجبها الإطاحة بكل الثوابت الوطنية، والثوابت العائدة للنظام الديمقراطي البرلماني، والثوابت العائدة للعيش المشترك بين اللبنانيين، والقضايا المتعلقة بدور الدولة وسلطتها الكاملة على الأراضي اللبنانية، وأيضاً الثقة باستقلالية القضاء ودوره وسلطته في لبنان. كذلك أيضاً الثقة بالتوازنات الداخلية التي اطيح بها بالإضافة إلى الإطاحة بالتوازنات الخارجية التي تعود إلى علاقة لبنان بكل من المجتمع العربي والمجتمع الدولي. كل هذه الامور انعكست بهذا القدر من اللايقين واللا ثقة بالمستقبل لدى اللبنانيين.
إلاّ أنّ هذا لا يعني أنّ ليس هناك من إمكانية للخروج من هذا المأزق الكبير، بل هناك إمكانية للخروج إذا تغير المشهد وتغيّرت الممارسات وتغير الناشطون واللاعبون على الساحة اللبنانية، ولاسيما تحديداً إذا لم يتغير أداءهم وإيمانهم بلبنان الدولة الحرة المستقلة السيدة، والحريصة على مستقبل أبنائها.
س: هل ممكن أن نلمس التغيير يوم غد مثلا في الاستحقاق الأول الذي هو انتخاب رئيس مجلس النواب ونائب رئيس مجلس نواب وهيئة مكتب مجلس ما رأيك بهذا الاستحقاق يوم غد؟
ج: بدايةً، المهم في هذه الانتخابات أنها حصلت. وهذا مؤشر جيد ويعني أننا عدنا إلى بدايات تكوين السلطات الدستورية في لبنان. ولكن من الطبيعي أن هذه الانتخابات تحمل معها بعض التغيير، وأيضاً بعض الوجوه الجديدة. كما ويفترض أن لا تستمر ذات الممارسات وذات العقلية التي عانينا منها خلال السنوات الماضية. ولذا يتوقع أو يتمنى اللبنانيون ان يكون الغد مختلفاً. صحيح أنّ هناك انتخابات ووجوه جديدة، إلاّ أنها ليست جديدة بالكامل نظراً إلى الطريقة التي تمت بها هذه الانتخابات بموجب هذا القانون. ولذا سنجد أن الانتخابات في مجلس النواب في الغد سوف تأتي بذات الرئيس مرة سابعة أي الرئيس بري. ولكن هناك بعض اللبنانيين وبعض النواب مِنْ مَنْ هم يريدون التغيير، وعلينا ان ننتظر لنرى كيف سيتصرفون.
الخطوة الثانية، هي في انتخاب نائب رئيس المجلس والذي نتمنى أن يكون وجهاً جديداً أيضا يحمل معه نمطاً جديداً من الممارسات السياسية الجديدة التي يتوقعها ويتوخاها اللبنانيون. لكن هذا كلّه يعتبر خطوة على طريق طويل. نحن الآن نتقدم نحو إجراء استشارات نيابية ملزمة لاختيار الرئيس الذي يمكن تكليفه لتأليف الحكومة، وذلك من ضمن ما ينص عليه الدستور.
س: سوف أعود بموضوع الحكومة مطولاً لكن بخصوص جلسة الغد إذا كنت سوف تكون واحداً من أولئك النواب الجدد هل ستصوت للرئيس بري، أو ورقة بيضاء ما هو الخيار الأفضل؟
ج: كل واحد من النواب يأخذ القرار الذي يريد. ولكن أنا لو كنت نائباً فإنّي كنت سأصوِّت بورقة بيضاء للرئيس بري.
س: هل لم يعد يقنعك الرئيس بري؟
ج: الآن نحن بحاجة إلى وجوه جديدة. ولكن مثل ما نحن بحاجة الى وجوه جديدة، لكننا نريدها أن تكون حقيقية، وجديدة بممارساتها وعقليتها وبمقاربتها للمشكلات. ولذا، نحن بحاجة إلى عقلية جديدة في الحكومة وبداية لدى رئيس الحكومة المكلف، وأيضاً بالنسبة لرئيس الجمهورية القادم. إذ لم يعد من الممكن أن نعالج المشكلات التي لدينا بذات المقاربات والممارسات الماضية. هذا ما قال عنه اينشتاين: "أن تقوم بنفس الشيء وأنت تتوقع نتائج مختلفة فهذا هو الجنون بعينه".
س: أريد منك نصيحة للنواب الجدد أو التغييريين لان احتمال أن يصل أو تصل شخصية من الوجوه الجديدة إلى نيابة الرئيس. لكن هذا الخلاف بين الوجوه الجديدة لا يساعد بوصول وجه جديد ماذا تقول لهؤلاء بالنسبة لنائب الرئيس؟
ج: في الحقيقة، من الممكن أن يكون هناك وجه جديد، ولكن شرط أن لا يكون بعقلية قديمة. إذاً يجب أن يكون الوجه الجديد بعقلية جديدة، وذلك لجهة التأكيد على العودة إلى احترام الدستور، ويجب أن يظهر هذا بالممارسة. أنا أعتقد انه ليس بالإمكان أن يصار إلى أن يكون رئيس المجلس وجهاً جديداً بسبب عدم توفر مرشحين آخرين من الطائفة الشيعية. لكن بموضوع نائب المجلس، فإنه يجب أن يكون وجهاً جديداً وبعقلية وممارسات جديدة.
س: أسماء مثل غسان حاصباني وغسان سكاف وملحم خلف نحن نسمي الارثوذكس طبعاً لأنه يجب أن يكون أرثوذكس أو الياس أبو صعب؟
ج: لا أريد أن ألزم أحداً برأيي. وأنا أعتقد أن هناك وجوهاً جديدة، وتحمل فكراً جديداً. لقد سمعت البارحة مقاربة من قبل الدكتور غسان سكاف بشأن الأفكار التي سوف يلتزم بها في حال انتخابه كنائب لرئيس المجلس، وأعتقد أنها جديرة للنظر إليها بكل جدية وتأييده على أساسها.
س: لننتقل إلى الملف الحكومي أنت بدأت بالحديث في ضرورة الدعوة لاستشارات نيابية سريعة، هل هناك كلام عن احتمال الدخول في فراغ حكومي طويل. وماذا عن رئيس الجمهورية وطرح أن تُجدَّد الثقة لحكومة نجيب ميقاتي هل تعتبر أننا نحن مقبلين على فراغ حكومي؟
ج: إذا حاولنا أن نستخلص الدروس المستفادة، مما مررنا به من ممارسات ومن مخالفات فاضحة للدستور، نجد وللأسف أن هذا الأمر لايزال مستمراً. لذلك قد يكون من الصعب أن نتوقع الآن حالة مختلفة. ومع ذلك، نحن بحاجة للإسراع للخروج من هذا المأزق الكبير الذي أصبحنا فيه. وبالتالي، هناك ضرورة للتفكير بتسريع انتخاب رئيس الجمهورية، بدلاً من الانتظار لأربعة أشهر أخرى. وفي هذا الصدد، فإننا يمكن أن نستفيد من سابقة تعود لانتخاب الرئيس الياس سركيس في العام 1976، وذلك قبل نهاية ولاية الرئيس سليمان فرنجية بعدة أشهر لأن المشكلة التي نراها ماثلة أمامنا اليوم ليست فقط في وجوب إجراء استشارات نيابية ملزمة لاختيار رئيس الحكومة المكلّف، وهو استحقاق دستوري أساسي، ولكن أيضاً في عملية انتخاب رئيس الجمهورية الجديد التي ينبغي أن تحصل قبل نهاية شهر أكتوبر القادم. وبالتالي علينا أن نستخلص وأن نستخرج كل الدروس من هذه الممارسات السابقة، وذلك إذا كان هناك إمكانية لتسريع إجراء انتخاب رئيس جمهورية، وبالتالي أيضاً وبشكل مسبق، وهذا يكون لفترة لا تتعدى أربعة أشهر فقط.
س: هل أنت تعني أنك أنت تطالب بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة قبل انتخاب رئيس حكومة؟
ج: نعم، وهذا ممكن والهدف منه هو العمل للتخفيف من الآلام والأوجاع الإضافية التي سوف نتعرض لها، وسوف يتعرض لها لبنان واللبنانيون. وإذا لم يكن هذا ممكناً فعلى رئيس الجمهورية أن يبادر فوراً ودون أن يلجأ إلى بدعة ما يسمى بمشاورات التأليف قبل التكليف التي هي مخالفة للدستور، بل أن يبادر فوراً إلى البدء بإجراء الاستشارات النيابية الملزمة لاختيار الشخصية التي ينبغي عليها أن تتولى تأليف الحكومة الجديدة.
س: طرحت فكرة انتخابات رئاسية مبكرة دولة الرئيس مطروحة في الصالونات السياسية اليوم هل يحكى فيها؟
ج: لا أعرف في الحقيقة إذا كان هناك من يتحدث بها، ولكن أنا برأيي أنّ هذه تجربة تُعتبر سابقة وجديرة أن تحتذى. ولذلك، فهي مفيدة ويجب أن يُنظر إليها بكل جدية.
نحن الآن بحاجة إلى رئيس جمهورية جديد ورئيس حكومة جديد. ولكن نحن أيضاً بحاجة إلى عقل جديد وممارسات جديدة تكون قادرة على أن تفهم ظروف لبنان الصعبة، وأن تعمل من أجل أن تعيد لبنان الى الخط القويم، وإلى احترام الدستور والقوانين، واستعادة التوازنات الداخلية وكذلك الخارجية، وتوثيق علاقات لبنان مع العالم العربي.
ولكي نكون واضحين، فإنّ علينا أن ندرك أنّه حتى ولو طبقنا جميع ما يقترحه صندوق النقد الدولي أي طبقنا كل شيء يقترحه الصندوق من إصلاحات وإجراءات، فإنّ ذلك كلّه قد يكون غير كاف لحلّ المشكلات التي تواجهنا، لأنّ هناك جملة من الأمور السياسية التي ينبغي ان يصار إلى تصويبها، لكي تكون ممارساتنا القادمة مواكبة للإجراءات والسياسيات الإصلاحية، ولاسيما فيما خصّ الذهاب بثقة نحو استعادة الدولة لقرارها الحر. وهذا القرار هو من أجل استعادة الدولة اللبنانية لقرارها الحر. إذا لم يكن هذا الأمر ناضجاً بعد، فإنّ ذلك وبالتأكيد سوف يعرضنا لمشكلات كبيرة قادمة.
س: هل تخشى دولة الرئيس من الفراغ، الرئيس ميقاتي يخشى الفراغ الرئاسي هل أنت تخشى الفراغ؟
ج: تجاربنا خلال السنوات العشر الماضية تشكّل بالنسبة لي مصدر خوف من استمرارها. لقد عانينا من فراغ دام ثلاث سنوات حتى نتمكن من انتخاب رئيسي جمهورية (سليمان وعون)، وأيضاً أضعنا قرابة خمس سنوات من التأخر في تأليف الحكومات واضعنا أيضا سنة ونصف في تعطيل مجلس النواب. كل هذا حصل خلال مدة 14 عام ومنذ العام 2008. لذلك، فقد كان هناك 60% من الوقت الذي جرى تضييعه على اللبنانيين. نعم، أنا أخشى الفراغ. ولكن عندما أقول هذا الكلام، فإنّه من الطبيعي أن أشدّد على أهمية إجراء المعالجات الصحيحة، ويكون ذلك بالبدء نحو العودة لاحترام الدستور اللبناني، ولاسيما أنّ الدستور واضح في مسألة رئيس الجمهورية، وتحديداً في تحديد نهاية عهده. صحيح، أنها حكومة تصريف أعمال، وهي بالفعل حكومة تصريف أعمال التي يمكن أن تتسلم منه تلك المسؤوليات، ولكن حسب الدستور هي التي سوف تتولى هذه المسؤولية عند انتهاء ولاية رئيس الجمهورية. ليس هناك من شيء في الدستور يسمح بإطالة ولاية رئيس الجمهورية الا إذا أراد أحدهم أن يدفع باتجاه تعديل الدستور مرة جديدة وهذا غير ممكن.
س: هناك جملة ترددت بأن رئيس الجمهورية لن يسلم حكومة تصريف أعمال هل اخافكم هذا الأمر؟
ج: برأيي إنّ هذا يعبّر عن ما يجول في خاطر البعض. ولكن إذا حصلت، فإنّ الأمر عندها يعتبر اغتصاباً للسلطة.
س: اعتدنا في المرحلة السابقة أن يؤخذ برأي رؤساء الحكومات السابقين عند استحقاق تشكيل الحكومات، أو تسمية رئيس حكومة. كنا نسمع ان الأطراف السياسية تسير وراء الخيار السنّي المتمثل برؤساء الحكومات السابقين، اليوم الرئيس الحريري علق العمل السياسي والرئيس السنيورة لم يترشح ولا الرئيس سلام والرئيس ميقاتي حاضر ولكن لم يترشح هل ستؤثر هذه الصورة على الاستحقاق الحكومي المقبل؟
ج: أولاً، مفهومنا لنادي رؤساء الحكومة السابقين هو أن الهم الأساسي لأعضائه هو التأكيد على أن يصار إلى أن يستعيد لبنان عافيته الوطنية والسياسية والاقتصادية والمعيشية. ورؤساء الحكومة السابقون حريصون على الاحترام الكامل للدستور، والاحترام الكامل لسيادة لبنان. هم لديهم رأي يمكن أن يبدوه بشأن رئاسة الحكومة الجديدة، وكذلك بمواضيع سياسية عديدة. ولكن الرأي النهائي يعود للنواب الذين يجب أن يستشاروا حسب ما ينص عليه الدستور، أي من دون إطالة وقت او اضاعة وقت مثل ما كان يجري في المرات الماضية من قبل الرئيس عون.
لقد تأخر الرئيس عون قرابة 50 يوم حتى بدأ بإجراء الاستشارات النيابية الملزمة، وهو قد عمد إلى اختراع بدع جديدة ليس للدستور علاقة بها. هذه الممارسة أصبحت تمثل تعدياً على مبدأ دستوري، وهو مبدأ فصل السلطات، والذي يجب التنبه له. إذ أنه- وحسب دستورنا- هناك فصل بين السلطات، واحترام توازنها وتعاونها الذي يجب أن يكون ويظل قائماً دون ان يصار الى الخلط أو التعدي من واحدة على الأخرى. هذا الأمر ينبغي أن يحصل وأن تتم عملية إجراء الاستشارات النيابية الملزمة فوراً، ولنرى من سيختار النواب رئيساً ليكلف بتأليف الحكومة الجديدة.
س: من تزكي من الشخصية في صعوبات ومرحلة ليست عادية من هي الشخصية التي تستطيع أن تقود الحكومة في هذه المرحلة؟
ج: أنا إذا تكلّمت بهذا الموضوع أكون أتعدى على المجلس النيابي. أنا برأيي يمكن أن أقترح مواصفات مبدأية ولا أن أسمي أسماء، ومن الممكن من يتمتع بهذه المواصفات أن يجري اختياره. برأيي أنه يجب أن تتمتع الشخصية التي يمكن تكليفها بتأليف الحكومة بالرؤية والإرادة والقيادية والشجاعة والصدق. أنا أعتقد أن هذه خمس صفات يجب أن يتمتع بها المسؤول، أكان ذلك رئيس الحكومة المكلّف أو رئيس الجمهورية المنتخب.
س: هل الرئيس ميقاتي يتمتع بها؟
ج: الناس هي التي سوف تحكم على من يتمتع بها أو لا يتمتع بها. وكل واحد لديه القليل من بعضها أو الكثير من البعض الآخر، والناس هي التي سوف تحكم عليهم. ولكن يجب أن ندرك أنّ هذا الظرف الذي نعيشه الآن يجب أن يدفعنا إلى أن ندرك حقيقة أساسية، وهي أنه لم يعد بالإمكان معالجة مشكلات لبنان بالعودة إلى استعمال المراهم. نحن تخطينا هذه المرحلة وأصبح لدينا حاجة ماسة لمصارحة الناس بالحقيقة حول طبيعة وحقيقة المشكلات التي نعاني منها، وما هي أسبابها الحقيقية وطبيعة الحلول الواجب اعتمادها للتصدي لها.
أنا سعيد الآن أننا قد انتهينا من فترة الانتخابات النيابية التي سادت فيها درجة عالية من الشعبوية والطروحات التجييشية التي أصبحت تحرف اللبنانيين عن تبيّن حقيقة وأسباب مشكلاتهم. لذلك، فقد آن الأوان أن ننظر لحقيقة وأسباب ما حصل لنا في لبنان وعلى أكثر من صعيد. في هذا الصدد، فإنه ينبغي أن نتفحص حقيقة ومدى عمق هذه المشكلات والتمييز بين جوهرها وأعراضها. في هذا الشأن، نحن يجب أن نتصرف مثل الحكيم الذي يشخص نوع المرض ويحرص على معرفة حقيقة وجوهر المرض وليس الاكتفاء برصد الأعراض التي تلازمه. وفي الحقيقة، الأعراض كثيرة وبالتالي يجب أن نحرص على أن لا نضيع وقتنا في الحديث والبحث بأعراض المرض بعيداً عن تفحص حقيقة وجوهر المشكلة الأساسية. وجوهر المشكلة هو الأساس، ويكون في وجوب العمل على استعادة الدولة اللبنانية لقرارها الحر. إذ لم يعد بالإمكان أن نستمر بهذا الوضع، ومن ذلك أيضاً يتوجب العمل على استعادة صوابية ممارستنا للنظام الديمقراطي البرلماني اللبناني وبشكل صحيح. للأسف، نحن بيدنا خربنا النظام الديمقراطي البرلماني اللبناني. وبالتالي، فقد أصبحت بدعة الديمقراطية التوافقية هي التي تشغل بالنا وتتحكم بتصرفاتنا. ولذلك، فقد وصلنا إلى الحال التي أصبحنا عليها الآن. لقد وصلنا إلى مرحلة أنّ الحكومة أصبحت بمثابة مجلس نواب مصغر، وهذا المجلس أصبح غير قادر على أن يراقب الحكومة، والحكومة أصبحت تلتهي بالخلافات بين أعضائها وبالمناوشات والمساجلات، أو الفيتوات المتبادلة. وأصبح مجلس الوزراء منشغلاً بالمحاصصة والمقايضة بين أعضائه بعضهم بعضاً، وذلك على حساب مصلحة لبنان واللبنانيين.
نحن خربنا النظام الديمقراطي البرلماني اللبناني وخربنا الدستور أيضاً من خلال ممارستنا للبدع الجديدة التي قمنا بإدخالها على الدستور، وعلى النظام الديموقراطي البرلماني. كما خربنا بلدنا واقتصادنا بالممارسات الشعبوية التي جعلت- وأحياناً كثيرة- الكثير من السياسيين يظنون أنهم يخدمون مصالح المواطنين، بهذه الممارسات وهذه المبالغات، ويظنون أنهم كانوا بالفعل يخدمون مصالح اللبنانيين في ما يقومون به، وهم بالفعل يعملون ضد مصلحة الناس. إذ قد يبدو للبعض أنّ ما يقومون به هو خير للناس، أو أنهم يقدمون لهم الخير. ولكن بالفعل ما كانوا يقومون به كان ينقلب بعد ذلك شراً على المواطنين.
رحم الله والدي الذي كان يقول لي: الله يرحم الذي بكَّاني والله لا يرحم الذي أضحكني؛ الذي بكَّاني بكى عليّ، والذي أضحكني ضحك علي".
س: دولة الرئيس فؤاد السنيورة خطاب مواجهة سلاح الحزب ووضع حد للتدخل الإيراني في لبنان استحوذت على مساحة كبيرة في الحملات الانتخابية. ولكن ساعة إغلاق الصناديق كثرت الأصوات التي تقول أنّ حلّ معضلة السلاح هو شأن إقليمي وليس شأناً لبنانياً داخلياً. ماذا يقول فؤاد السنيورة؟
ج: من دون أدنى شك أن هناك جانباً خارجياً إقليمياً يتحكّم بهذا الشأن، وهو بالفعل يقف خلف ممارسات الهيمنة التي تتولاها إيران عبر أذرعها، ولاسيما من خلال حزب الله، وذلك من أجل السيطرة على لبنان. كما أنّ امتدادات هذا النشاط والهيمنة أصبح يأخذ شكل التدخل في الشؤون الداخلية لكل من سوريا والعراق واليمن وغيرها، وبالتالي رأينا كيف أنّ هذا التسلّط الذي تمارسه إيران يتركّز على أربع عواصم عربية. هذا الأمر يعني بدون أدنى شك، أنّ هناك أموراً يجب أن تعالج إقليمياً.
في هذا الشأن، فإني أرى هناك وبذات المقدار إدراكاً يجب أن يمارسه حزب الله من أن هذا المسار لا يمكن أن يستمر، ولا نهاية حقيقية أو مفيدة له. وليس هناك من مخرج للبنان من أزماته إلاّ بعودة الجميع إلى لبنان وبشروط لبنان ودولته. إذ لا يمكن لحزب الله أن يستمر بهذه الهيمنة على لبنان، وهو بهذا الشكل يعادي الكثرة الكاثرة من اللبنانيين. وبالتالي هو لا يمهد فعلياً لاستعادة لبنان لعافيته السياسية والاقتصادية، ولا في استعادة عافيته الوطنية والمعيشية.
من جهة أخرى، فإنّ ما يطرح من أفكار مثل عقد جلسات للحوار في هذا الشأن، فإنّ سؤالاً كبيراً يطرح نفسه: ماذا حصل للحوارات التي قمنا بها في الماضي؟ هل نُفِّذَ منها أي شيء؟ هذا الأمر يجب أن نضعه في اعتبارنا ويكون من خلال خطوات حقيقية تسبق أي دعوة للحوار. وهي في ضرورة العودة إلى تنفيذ ما اتفق عليه في جلسات الحوار الماضية، وهي التي لم تحصل حتى الآن. وبالتالي، فإنّه من غير الممكن أن يصار إلى الدعوة لأي حوار قبل ذلك.
س: إذا كان هناك فريق غير راغب وهو الحزب؟
ج: إذا كان هناك استمرار لهذه الهيمنة ورفض مستمر للبدء في استعادة الدولة لدورها ولسلطتها فسوف يستمر حال السقوط للبنان في الهاوية. وبالتالي سوف نجد كل ما يقال من دعوات لحلحلة بعض مظاهر المشكلات التي نعاني منها لا تؤدي إلى أي نتيجة.
هذا الوضع أشبه ما يكون مثل فريق معيّن يسيطر على منزل له حديقة، وبالتالي في داخله غرف عديدة. وهذا الفريق يسيطر على المنزل بكامله، ويعني تمكين الفرقاء الآخرين من شغل واستعمال تلك الغرف لأولئك الفرقاء اللذين هم الغرف لأحزاب الطائفية والمذهبية، وهو يسمح لهم بالحصول على مكاسب ومصالح معينة، وذلك لقاء أن تسكت عن تسلطه على المنزل بكامله، وبالتالي جميعهم مرتاحون. حزب الله مرتاح لسكوتهم عن تسلطه على لبنان ككل، وبقية الفرقاء مرتاحون لسكوت حزب الله على تجاوزاتهم وتجاوزاته.
لذلك، فإنّ هذا الوضع للبنان، قد أصبح أمراً غير قابل للاستمرار لا بشأن الوضع السياسي الداخلي الذي حصل فيه اختلال كبير في التوازنات الداخلية في لبنان. إذ أنّ هناك شعوراً كبيراً بالتهميش عند البعض والشعور من أنهم غير مشاركين في الحكم كما ينبغي في حكم البلاد. كما أنّ هناك أيضاً اختلال كبير في علاقات لبنان الخارجية مع اشقائه وأصدقائه في العالم، ولاسيما مع استمرار الاستعصاء على الإصلاح. وهذا بالتالي ما أصبح يحول فعلياً دون تمكين الأشقاء والأصدقاء من تقديم العون للبنان.
ألم يلفت نظرنا كم من المسؤولين العرب والأجانب الذين أتوا إلى لبنان كانوا ولايزالون يطلبون من اللبنانيين القيام بالإصلاحات، والتي ينبغي على لبنان أن يقوم بها، والتي هي إصلاحات سياسية وإصلاحات غير سياسية (اقتصادية وقطاعية ومالية)، ومنها أيضاً ضرورة العمل من أجل أن يستعيد اللبنانيون ومؤسساتهم الاحترام للدستور والاحترام للقانون.
دعيني أعطي مثالاً على ذلك: هل هناك مشكلة أهم من مشكلة الكهرباء. الآن قد مضى علينا عشرون عاماً عندما صدر قانون تنظيم قطاع الكهرباء في العام 2002 لإصلاح قطاع الكهرباء. لايزال هذا القانون عصياً على التنفيذ. هناك من يقول إن هذا القانون لا يعجبني ولا أريد أن أنفذه.
عن ماذا نتكلم نحن الآن؟ نهدر جهودنا وطاقاتنا حول ما يسمى بالصلاحيات التبادلية. أنا أعطيك المكاسب وأنا آخذ منك السلطة. الأحزاب تتجاذب فيما بينها المكاسب وتتخلى لحزب الله عن السلطة.
س: هل أنت مع أن نضع موضوع السلاح جانبا وأن نركز على موضوع الكهرباء؟
ج: يجب علينا أن نكون أيضاً عمليين في التقدم على هذا المسار. أنا ليس لدي أوهام في أننا نستطيع أن نضغط على زر لينتهي كل شيء. المسألة تبدأ في أنه يجب أن نسير بالاتجاه الصحيح، ويرى اللبنانيون عندها أن الغد سوف يكون أفضل. وهذا يؤدي إلى استعادة الثقة لدى أنفسنا، وأيضاً لدى أشقائنا وأصدقائنا بنا وبدولتنا. وذلك يعني أن يؤمن ويطمئن الجميع بأنّ الغد سوف يكون أفضل على الصعد السياسية والاقتصادية والمعيشية، وأننا سوف نستمر بهذه الممارسات المسؤولة والواعية بانّ هذا التسلّط على اللبنانيين وعلى الدولة اللبنانية سوف يتوقف، لاسيما وأنّ هذا التسلّط على الدولة اللبنانية ودورها وسلطتها هو الذي بالفعل يمنعها من أن تقوم بأي عمل جاد للخروج من هذه الانهيارات. لذلك أعود للقول بأنه يجب أن لا نغفل النظر في جوهر الأمور والمشكلات، وبالتالي أن لا ينحصر جهدنا في معالجة مظاهر هذه المشكلات.
س: من المتسلط على الدولة:
ج: حزب الله وإيران: بالمناسبة أنا لا أنسى أبداً الدور العدواني الذي تلعبه ضدنا إسرائيل. لكن دعيني أذكر، لقد خاضت إسرائيل حرباً علينا ونحن بتضامننا جميعاً كلبنانيين استطعنا أن نطرد إسرائيل وهناك من ضحى بروحه، وهناك من صمد وساهم في احتضانه لكل اللبنانيين، بحيث استطعنا بوحدتنا وتضامننا أن ننتصر على إسرائيل بكوننا منعناها من الانتصار علينا أن نسترجع هذا المسار بشكلٍ صحيح، وأن نتقدم بالتالي بإصرار وبمثابرة على هذا المسار الوطني للحفاظ على وحدة اللبنانيين والخروج من أوهام الهيمنة والتسلّط التي يمارسها حزب الله.
من جهة أخرى، ليس لدى أحد أوهام لا في العالم العربي، ولا في العالم بأنّ اللبنانيين يستطيعون بكبسة زر أن يتخلَّصوا من مشكلاتهم. يجب أن ندرك أنّ الخروج من مشكلاتنا هو عملية تراكمية تبدأ باستعادة تدريجية لسلطة الدولة، والتي يجب أن تواكب كل الإجراءات الإصلاحية، وهو ما يمهد للبدء باستعادة اللبنانيين لثقتهم بالغد.
س: هل كلام السيد نصر الله عن موضوع السلاح سنتين هذا مؤشر اننا نمشي خطوة خطوة؟
ج: دعيني أستعين بمثل معروف: "إذا لم تقل لي الحقيقة أول مرة الحق عليك، وإذا لم تقل لي الحقيقة مرة ثانية فالحق عليّ لأنني صدقتك، وما كان مقبولاً أن أصدقك في المرة الثانية". فلذلك، يجب ان نرى بأعيننا حقيقة هذا الامر. نحن نتكلم عن أمور لها علاقة بسيادة الدولة وقدرة اللبنانيين على الثقة بأنّ الغد سوف يكون أفضل. وهذا أمر يتعلق بعدم القبول بأمر أساس، وهو القبول بازدواجية السلطة.
يقول القرآن الكريم: "لو كان فيهما آلهة الا الله لفسدتا". وحسب ما ينص عليه القرآن، فإنّ الله يعفي عباده عن كل الذنوب التي يرتكبها الإنسان في الدنيا إلاّ ذنب الإشراك بالله. وفي هذا رفض لازدواجية السلطة، لأنّ هذه الازدواجية لا يمكن أن تستمر. بالتالي بالعربي الدارج هناك القول: "رئيسان في المركب بيغرقوه". نحن الآن نعيش حالة هذا المركب الذي فيه أكثر من رئيس. وبالتالي، فهو معرّض للغرق. يجب أن يكون هناك توجه واضح، وأن يحصل التقدم التدريجي في هذا الإطار ويرى اللبنانيون أنهم يتقدمون نحو استعادة الدولة لدورها ولسلطتها الواحدة. لقد كانت هناك وعود أطلقت مرات عديدة ولم ينفذ منها شيء.
س: اذا لا ثقة بالكلام هل المواجهة الحقيقية مع الحزب ممكن ان توصلنا الى مؤتمر على غرار مؤتمر الدوحة ربما أوسع؟
ج: هذا الامر مضيعة للوقت ويؤدي إلى ما يسمى فتح أبواب مغلَّقة على لبنان. والحقيقة لا أحد يريد أن يفتحها، وليس من مصلحة أحد العمل على فتحها. نحن بحاجة إلى العودة إلى تطبيق الدستور تطبيقاً حسناً، والحرص على العيش المشترك. كل علماء الدستور يقولون الدستور هو بأهمية توفر النية الحسنة لدى الذين يطبقوه. لقد تبيّن أنّ المشكلة لدينا ومن خلال الممارسة، تكمن في ما جرى ابتداعه من بدع جديده بما خصّ الدستور. وبالتالي فهمنا الدستور وطبقناه بطريقة خطأ. وعندما دخلنا بمسألة ما يسمى الرئيس القوي في طائفته، وهي بدعة الرئيس القوي، وها قد وصلنا إلى ما وصلنا إليه. وهي قد انتهت إليه هذه التجربة. هل هذا يعني أننا لا نريد رئيساً قوياً؟ على العكس، نحن نريد رئيساً قوياً وقوياً وقوياً، ولكن يجب أن يكون هذا الرئيس القادم قوياً لدى جميع اللبنانيين وليس لدى فريق من اللبنانيين.
س: هل سقطت لديك فكرة الرئيس القوي الذي تزعم أكبر كتلة مسيحية؟
ج: لنكون واضحين. رئيس جمهورية مختلف عن رئيس الحكومة. رئيس الحكومة يترأس الحكومة، ومن ثم يؤلف حكومة وممكن لهذه الحكومة أن تسقط بأي يوم. ولكن رئيس الجمهورية يترأس الجمهورية لمدة ست سنوات. وهو همه أن يكون حامي الدستور والجامع للبنانيين وفوق كل السلطات وحكماً بين الجميع. وهو لا يستطيع أن يقوم بهذا العمل ما لم يكن مؤتمناً من قبل الجميع ولديهم ثقة به وثقة بحكمته وقدرته على أن يأتي باللبنانيين إلى قواسم مشتركة. هكذا هو رئيس الجمهورية. اما إذا كان قوياً فقط لدى فريق منهم، فلا يستطيع أن يقوم بمهامه الحقيقة، وهذا ما حصل في حالة الجنرال عون.
س: هل كانت هذه الصفات لدى رئيس الجمهورية حالياً؟
ج: كلا على الإطلاق.
س: ممكن أن تقول لي عن محطة أو محطتين عندما كان لا يُحترم الدستور أو عندما الرئيس عون لم يحترم الدستور؟
ج: بما يعني رئيس الجمهورية وعدم احترامه للدستور. فلقد ظهر ذلك- وعلى سبيل المثال- ابتداءً بعدم إجراء الاستشارات النيابية الملزمة في أوقاتها الدستورية، وبكونه بدأ بإجراء استشارات التأليف غير الدستوري قبل صدور التكليف. وهو بذلك كان كما يبدأ بوضع شروط على رئيس الحكومة كيف سوف يؤلف الحكومة. وذلك قبل تكليفه، ومن ثم كيف سيؤلف حكومته؟
تجدر الإشارة إلى ان هذه الممارسات غير دستورية. إذ أنّ هذه الأمور هي من ضمن صلاحيات ومسؤوليات رئيس الحكومة المكلف.
من المعروف أنّ الحكومة إذا سقطت يذهب عندها الرئيس المكلف إلى منزله، والدستور واضح بهذا الشأن. هذا المنحى الذي يسلكه رئيس الجمهورية ما هو إلاّ محاولة خلق بدع جديده أن كان بوضع جدول الأعمال أو قضايا أخرى كثيرة تتعلق مثلاً بمسائل مثل قضية التشكيلات القضائية. الكلّ يتكلّم بموضوع احترام استقلالية القضاء، ولكن الكثيرين يتكلمون ويمارسون عكسها.
أنا عندما كنت رئيس حكومة في العام 2005، وتسلّمت التشكيلات القضائية التي وقعها مجلس القضاء الأعلى. في حينها قلت إنني سوف اوقع هذه التشكيلات القضائية دون أن أراها، ليس لأني أردت أن أتفلسف على اللبنانيين، ولكن لأبيّن أنّ القانون يقول بأنّ توقيع مجلس القضاء الأعلى على تلك التشكيلات يعني بالتالي أنها وعند توقيعها من مجلس القضاء الأعلى، تصبح صلاحيات وزير العدل ورئيس الحكومة ورئيس الجمهورية مقيّدة. ما جرى بعد أن وقعت أنا تلك التشكيلات لم يوقعها الرئيس لحود، مثلما لم يوقعها الرئيس عون في حالته بعد أكثر من عشر سنوات.
نحن نرى الآن العدلية والجسم القضائي كيف يجري التدخل بشؤونه وكيف أصبح بمثابة مخلب من أجل الاقتصاص من الخصوم السياسيين هذا هو القضاء. إذ أنه وكما أصبح الآن إذا صحّ التعبير قضاءً مستتبعاً من قبل السياسيين.
س: اريد ان أعود إلى الحكومة دولة الرئيس أعرف حرصك على كل المؤسسات ولكن تحديدا على رئاسة الحكومة. أي شكل يجب أن تكون عليه الحكومة المقبلة؟ حكومة اختصاصيين او تكنوقراط أو حكومة سياسية أو حكومة وحدة وطنية او حكومة أكثرية تحكم وأقلية تعارض اليوم؟ أكثر من صوت سليمان فرنجية وجبران باسيل قالوا حكومة وفاق وطني يمكن أن تصف لنا الحكومة التي تراها مناسبة؟
ج: النظام الديموقراطي البرلماني اللبناني يقوم على نظام الأكثرية التي تحكم والأقلية غير المهمشة التي تعارض. ليس معنى ذلك أنّ ليس في النظام الديمقراطي إمكانية لتأليف حكومة وحدة وطنية. ولكن هذه الحالات محدودة ولفترة بسيطة، وينبغي أن تعود الأمور بعدها إلى الأسلوب الصحيح، أي بحكومة أكثرية تحكم وأقلية تعارض، لأنه هكذا يستقيم البلد، وتستقيم آليات النظام الديموقراطي البرلماني. وعندها يصبح بإمكان مجلس النواب محاسبة الحكومة.
أنا عندما كنت رئيساً للحكومة قمت بممارسة جديدة اقترحتها على الرئيس بري وعمل بها. وهي ممارسة كانت جديدة في لبنان، حيث تقرر أن يكون هناك اجتماع أسبوعي لمجلس النواب يسمى اجتماع Q and A (Questions and Answers) الأسبوعي، وكان يحصل مرة في الأسبوع يوم الثلاثاء الساعة الثالثة بعد الظهر لمدة ساعة او ساعة وربع، واستمرت تلك الممارسة لعدة أشهر إلى أن توقفت مع الاعتكاف الأول الذي مارسه تكتل أمل وحزب الله. وفي تلك الممارسات، كل نائب كان لديه سؤال يوجهه لرئيس الحكومة أو للحكومة، فإما يجاوبه الوزير المختص أو رئيس الحكومة في ذات اللحظة أو تقول له الحكومة بأنها ستجيب على سؤاله في الأسبوع القادم. هذه الطريقة أسهمت في إنشاء علاقة ديموقراطية برلمانية سليمة.
س: هل هناك أكثرية تحكم اليوم دولة الرئيس؟
ج: لنرى كيف سوف تظهر الأكثرية؟ وهل سيكون هناك أكثرية؟ لا يعني ذلك أن يصار إلى منع الأكثرية من التأليف، كما جرت في العام 2009. في ذلك العام، كان هناك أكثرية لفريق الرابع عشر من آذار، وكان هناك 72 نائب للأكثرية. ماذا قالوا لها آنذاك؟ وأعني بذلك حزب الله: "إذا أردتم أن تؤلفوا حكومة أكثرية، فإنّ هذه الحكومة سوف تبقى حكومة على الورق وإذا بقي هناك ورق في لبنان".
س: هل يوم غد تتضح الصورة إذا كان هناك اكثرية او اقلية معارضة؟
ج: سوف تتبين ملامحها الأولى غداً، ولكن بشكل أكبر بعد ذلك. ومن ثم في الاستشارات النيابية الملزمة، وهكذا يستقيم النظام الديمقراطي البرلماني. اما من دون هذه الممارسات فقد رأينا حالات لا نستطيع فيها أن نؤلف حكومة أو تتعطّل أعمال الحكومة. حتى هذه الحكومة أمضت شهرين لا تستطيع ان تجتمع. وبالتالي علينا ان نعود إلى الأصول. الآن هل بالإمكان تأليف هكذا حكومة؟ هذا هو السؤال.
س: حين يقول الوزير باسيل حكومة سياسية هل سيسمح لحكومة أكثرية تحكم إذا كانت الاكثرية ليست لهم؟
ج: حكومة سياسية حتى لو تكنوقراط هم- أي الوزراء- يصبحون مسؤولين سياسيين ممكن هذا الامر وهذا حق لمجلس النواب أن يؤيد تأليف هكذا حكومة، وبأن تكون حكومة مستقلين. هل سيكون هذا ممكناً. قد يكون من المفيد في هذه الأزمة أن نأخذ هذه المساحة من الوقت لنحقق بعض الأمور الإصلاحية. وعلى سبيل المثال، في مواضيع مثل الكهرباء، وبمواضيع عديدة المتعلقة بالأمور الاقتصادية والمالية.
س: ما هي دلالات سقوط رموز النظام السوري في الانتخابات النيابية؟
ج: أنا أعتقد انه هذه نتيجة الانتخابات. أنا أؤمن ان هذه الانتخابات وحتى ضمن هذا القانون الشرير الذي وافقنا عليه وأنا بريء من هذا القانون الذي اخرج هذه النتيجة. لقد سقط بنتيجة هذه الانتخابات وهذه الرموز. وهذا ما اعتبره أفضل لمستقبل لبنان. وهذا الامر الذي جرى اعتبره عملاً طيباً وديمقراطياً.
س: هل تؤيد ما قاله أحد المسؤولين في تيار المستقبل بأن مقاطعة تيار المستقبل خلقت ديناميكية التي استفاد منها التغييريين وليس حزب الله؟
ج: أكيد لا أؤيده على الإطلاق فيما قاله، وهذا الرأي غير صحيح. لأنّ الصحيح ان الرئيس الحريري علق مشاركته السياسية. ولكن وبداية هو فعليا لم يطلب من اللبنانيين ولا من جمهور المستقبل أن يقاطعوا الانتخابات. ولكن الذي جرى عملياً مختلف جملةً وتفصيلاً. إذ أنه كانت هناك دعوات واضحة وممارسات واضحة بدعوة المحازبين إلى مقاطعة الانتخابات. والذي جرى بعد ذلك كان أيضاً عكس ما يقوله السيد موسى. الذي حدث والذي قمنا به، هو الدعوة الكثيفة للبنانيين وللمسلمين للمشاركة في الانتخابات، ولاسيما لدى أهل السنّة والجماعة. وهذه هي الممارسة التي قلبت الموازين لدى المسلمين ولدى اللبنانيين. وبالتالي أيضا ليس صحيحاً ما يقوله. لقد كان البعض يقول أنّ ليس هناك من إمكانية للتغيير، وبالتالي كان يبرر المقاطعة. والحقيقة التي ظهرت أنه بإمكاننا أن نحقق تغييراً. فعلى الرغم من كل تلك العراقيل، فقد ثبت عدم جدوى المقاطعة لا بل ثبت جدوى المشاركة بكثافة في الانتخابات، وهذا ما أدى إلى هذه النتائج الإيجابية التي حصلت وانعكست في النتائج المحققة، وفي إيمان اللبنانيين بإمكان التغيير عن طريق العمل الديموقراطي البرلماني.
في الوقت ذاته، كان هناك من يطالب بالتغيير ومن الضروري أن لا تكون هناك مقاطعة. على العكس، كان هناك رأي متنام بأنه تجب أن تكون هناك مشاركة حقيقية، وضرورة العمل على القيام بهذا التغيير، وهذه النتيجة الإيجابية التي حصلت ليست بسبب المقاطعة أو نتيجة الابتعاد، بل كان نتيجة الانخراط أكثر في الانتخابات، والاقتراع بكثافة أكثر مما جرى في العام 2018.
على أي حال، القرار التي اتخذه الرئيس الحريري انه عندما يعود إلى لبنان إن شاء الله بالسلامة مستفيدا من كل هذه التجارب، فهو له مكانه ومكانته. أما الآن، فإنه يجب النظر إلى ما حصل على أنه كان نتيجة هذه الدعوات الصريحة التي أطلقت من العديدين ومنهم أنا ومنهم دار الفتوى، والتي طالبت اللبنانيين والمسلمين بالمشاركة الكثيفة. وهذا بالفعل هو ما غيّر الميزان السياسي. لأنّه كانت هناك مراهنة بشأن ما كان يقوله السيد حسن نصر الله: "همنا كيف أن نساعد حلفائنا على الفوز، وأنّ همنا أن نحصل على أكثرية ميثاقية". وهذا الأمر هو الذي يتحقق لدى السيد نصر الله بنتيجة هذه المشاركة الكثيفة بكونه لم يتحقق.
ما أراده السيد حسن نصر الله من أنه كان فعلياً يتمنى أن تكون لديه أكثرية في مجلس النواب مثل ما وعدنا في الماضي، وتحديداً في العام 2009 حين قال: لماذا نختلف الآن، فلنذهب ولنصوّت وبالتالي الذي ينجح سوف يحكم. هو فعلياً كان يؤمن حينذاك أنه سوف يحصل على الأكثرية، وهو ما لم يحصل عليه. ولذلك، هو قد بادر إلى رفض نتائج تلك الانتخابات وحصل ما حصل.
هذه المرة كان السيد نصر الله يؤمن أنه سيحصل على الأكثرية، وذلك مبني على فرضية الاستمرار في مقاطعة الانتخابات لدى اللبنانيين بشكل عام والمسلمون السنة بوجهٍ خاص، وذلك كما كان يدعو إليها كثيرون من الأطراف وبعضهم من تيار المستقبل. هذا الأمر لم يتحقق، وبالتالي هذه الحسابات والفرضيات جرى إسقاطها، وكذلك سقطت فكرة المقاطعة، وبالتالي نحن نشهد الآن نتائج هذه المشاركة، وظهرت حقيقة أساسية أنّه بإمكاننا أن نعمل بجدٍ، وأن نحقق نتيجة إيجابية. ولذلك، نرى هنا أهمية وضرورة أن تتضافر كل الجهود من أجل السير قدماً في تحقيق الإصلاح الحقيقي السياسي والوطني والاقتصادي، وبالتالي يمكننا أن نتعاون لتحقيق ذلك، وأن تتضافر كل الجهود الوطنية في هذا السبيل.
س: هل تبدل الاحباط السني دولة الرئيس بعد نتائج الانتخابات؟
ج: أنا أعتقد أن هذه الانتخابات أعطت مؤشراً وطنياً هاماً قد حصل، ولكن علينا أن ندرك أيضاً أن: "سنونو واحدة لا تصنع الربيع". نحن بالفعل نريد إشارات أكثر ودلالات أكثر حتى يشعر الجميع بأنهم متجهون فعليا إلى حالة نهوض وطني واقتصادي ومعيشي.
س: لماذا شاهدنا محاربة للرئيس فؤاد السنيورة في هذه الانتخابات هل هناك خوف من شخصك؟
ج: أنا اعتدت على مدى 30 سنة من العمل السياسي، حيث مارست عملي السياسي، كما ينبغي أن يقوم به أي مسؤول أكان ذلك حين كنت وزيراً أو رئيس حكومة أو نائباً. ولقد تعرّضت للكثير الكثير من محاولات الاغتيال السياسي وبقيت ثابتاً على مواقفي وقناعاتي الوطني. وها هي الأيام تثبت صحة تلك المواقف السياسية والوطنية والمالية والاقتصادية والإدارية التي كنت اعتمدها.
س: ولكن اليوم هناك محاولات من المقربين للتهجم عليك؟
ج: وهناك البعض الذي يفسر كلام الرئيس الحريري على غير محتواه وبالتالي أنا أعتقد أن الامور كفيلة مع تقدم الأيام بأن تظهر الحقيقة، وذلك بأنّ الموقف الذي اتخذته هو الموقف الصحيح، وأنا أعتقد انه ما قمت به كانت مبادرة صحيحة.
أقول هذا وأنا لست راغبا في أي موقع أو أي مكان. لقد قمت بمبادرتي وبعملي لأنني أعتقد أنّ بلدي ينتظر مني ومن أمثالي- وهم كثيرون- أن نقوم بهذا العمل. وهذا بالفعل حق لبنان عليّ وعلى الآخرين.
أنا قلت إنني لا أريد أن أترشح للانتخابات، ولكن سوف أنخرط في هذا العمل الانتخابي. ولقد تحققت إنجازات عديدة نتيجة هذا الموقف. لقد استطعنا بموجب تلك الجهود التي بذلت أن نحقق أموراً عديدة وأولها بإسقاط المقاطعة وبإثبات أننا نستطيع أن نسهم بالتغيير وأننا استطعنا أن نسهم وبشكل أساسي في النجاح في الفوز بسبعة مقاعد نيابية على الأقل من الذين لم يكن بإمكانهم أن ينجحوا لولا هذا الجهد الذي بذلناه.
س: هل أنت لك فضل مع أشخاص بشأن التغيير؟
ج: نعم، وبالتالي هكذا سقطت رموز سياسية أساسية كانت تعتبر جزءاً من هذه المجموعة لما تحولّت الأكثرية من مكان لمكان آخر.
س: هل مستقبل تيار المستقبل مرهون بالرئيس سعد الحريري؟
ج: الرئيس الحريري شخص له رمزيته وهو عندما يقرر العودة مستفيداً من كل التجارب التي مرّ بها، وهذا أمر هو الذي يقرره.
أمّا بشأن تيار المستقبل، فإني أتمنى فعلياً عودة تيار المستقبل ليمارس العمل السياسي، وليحدث المسؤولون فيه نهوضاً أساسياً وتنظيمياً حقيقياً داخل التيار من أجل أن يكون له دوره السياسي الصحيح. الآن ما نشاهده في لبنان في أننا نشهد نتائج هذا الغياب وبالتالي هناك حاجة لتيار المستقبل أن يعود ليحمل الراية التي رفعها الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
س: هل هناك من شخصية تترأسه بغياب الرئيس الحريري هل ترى أن المستقبل يجب أن يكون فقط لشخصية من آل الحريري؟
ج: ليس بالضرورة فيما خصّ العمل الحزبي بإمكان الحريري أو غير الحريري أن يحمل هذه الرابة الوطنية. وهذا لا يعني على الإطلاق عدم عودة الرئيس سعد الحريري الذي له رمزيته ومكانه ومكانته.
ولكن، وفي هذا الصدد، يجب أن نؤكد على أهمية الحريرية السياسية التي لها احترامها وأفضالها الكثيرة على لبنان، وهذه يمكن بل ويجب أن تستمر. خذي مثلاً في فرنسا، يستعملون عبارة الديغولية، وها قد مضت سنوات طويلة على وفاة الجنرال ديغول، ولاتزال الديغولية قائمة كفكر وكمبادئ، وكذلك يمكن أن تكون الحريرية السياسية.
الحقيقة انّ المبادئ التي وضعها واغتيل بسببها الرئيس الحريري لاتزال على قيد الحياة ويجب أن تبقى ويجب أن نعمل جميعا من أجل إنقاذ تيار المستقبل ليعود رافعة وطنية حقيقية ليس فقط لفريق من اللبنانيين بل لكل اللبنانيين. هذا هو الدور الذي يجب أن يكون ويجب أن يكون هناك عمل مثابر وهادف من قلب تيار المستقبل لأحداث عملية نهوض حقيقي بداخله من أجل أن يستعيد دوره الوطني والسياسي.
س: صف لي علاقتك بالرئيس سعد الحريري اليوم؟
ج: أنا أكن له كل الاحترام والمحبة والتقدير. الآن ليس هناك من تواصل معه. آخر تواصل كان قبل سنوية رفيق الحريري. ولكن هذا الاحترام لا يتغير. وأنا كما كتبت على باب مكتبي بيتاً من الشعر للمتنبي: "وحالات الزمان عليك شتى وحالك واحد في كل حال". ولذلك، أعتقد أنّ هناك إمكانية للعودة من أجل العمل على استنقاذ تيار المستقبل، وذلك لا يكون إلاّ بعمل سياسي نهضوي وكبير.
س: هل هناك ما يعيق عودته؟
ج: لا يمكنني الإجابة على هذا السؤال.
س: سؤال أخير في هذه الحلقة إجابة بسيطة لو سمحت العلاقة بين السنّة في لبنان والقوات اللبنانية لأنّ البعض رجم القوات اللبنانية بعبارات نابية من بعض الأطراف وليس كل السنة. اليوم كيف هي العلاقة وكيف ممكن أن تكون هل استغلت القوات غياب الحريري لأخذ الساحة السنية؟
ج: دعيني بدايةً لأوضح هذه النقطة. الساحة السنية ليست فالتة ولا مستباحة ولا سائبة، وهي قادرة على تحقيق النهوض المطلوب.
القوات اللبنانية حزب سياسي لبناني له أنصاره وهو من الأحزاب الأساسية المسيحية في لبنان. فإذا نحن لم نتعاون مع القوات اللبنانية مع من سوف نتعاون.
هناك أحزاب لديها أولويات أخرى إن كانت شخصانية أو سياسية، ولاسيما ما يتعلق بموضوع السيادة. يجب علينا ومن الضروري التعاون مع الجميع، وذلك على أساس القواعد الوطنية والسياسية التي نؤمن بها.
هناك مشتركات كثيرة تتعلق بسيادة لبنان وتعزيز الحكم الرشيد وفعلياً ما يتعلق بأهمية وضرورة تطبيق الدستور واحترام التوازنات الداخلية والخارجية واحترام الشرعيتين العربية والدولية ونحن نمد أيدينا للجميع. اما أن نتخلى عن ذلك لأنّ هذا لا يعجبه وهذا لا يعجبه ونتهم الناس بهذه التهم غير الصحيحة. فهذا غير مقبول.
لقد مرّ على لبنان مشكلات عديدة، وبالتالي علينا أن نتخطى مشكلات الحرب الأهلية ومآسيها، وبالتالي أن نتعلم من هذه الدروس المستفادة وعلى الجميع أن يعود إلى الدولة بشروط الدولة.
