الرئيس السنيورة لقناة الغد: هناك حاجة حقيقية في لبنان لكي يكون لدينا رئيس جمهورية على الاقل يستطيع أن يقوم بدور رئيس الجمهورية الحافظ للدستور والحكم بين القوى السياسية

اجرت قناة الغد حوارا مباشرا على الهواء مع الرئيس فؤاد السنيورة حول اخر الاتطورات في لبنان في ما يلي نصه:
س: ينضم إلينا عبر الزوم دولة الرئيس فؤاد السنيورة- دولة رئيس حكومة لبنان الأسبق من قناة الغد: كيف ترى الرسائل التي اتت تحملها وزيرة الخارجية الفرنسية؟
ج: بدايةً، مساء الخير لك ولجميع المشاهدين. هذه الزيارة طيبة وجيدة، وتأتي على غرار الزيارات العديدة التي قام بها العديد من المسؤولين، أكانت من فرنسا، أو مسؤولين في دول شقيقة، أو دول صديقة في العالم. وفي هذه الزيارة، وعلى ما يبدو، فثقد كرّرت المسؤولة الفرنسية نفس المواقف، وهي أنّ لبنان لا يستطيع ولا يحوز أن يتحمل الاستمرار في حالة الانهيار، ومن دون أية ضوابط، وأنّه من الضروري جداً أن يتنبه المسؤولون اللبنانيون إلى مخاطر استمرار هذا الانهيار، وذلك بأن يصار إلى الالتزام بالاستحقاقات الدستورية التي تنص على انتخاب رئيس الجمهورية في وقت لا يتعدى الـ31 من شهر تشرين الأول/ اكتوبر الحالي، لأنّ ولاية الرئيس تنتهي مساء يوم الثلاثين من هذا الشهر.
المشكلة الإضافية التي أمامنا اليوم، هي أنّه، وبنتيجة الانتخابات الأخيرة التي جرت، والتي أسفرت بدايةً عن نتيجة تخالف توقعات حزب الله الذي كان يسعى لأن تكون لديه قوة تأثيرية كبيرة في المجلس النيابي، والتي كان يسميها أكثرية ميثاقية من أجل ان يتمكّن من فرض رئيس الجمهورية، الذي يناسبهم ويكون تابعاً لهم، لكن الذي حصل كان خلاف ذلك.
صحيح أنّ الانتخابات قد انجلت عن أقلية مدعومة من حزب الله والتيار الوطني الحر وحركة أمل وبعض النواب الآخرين. وهذه الأقليّة بزعامة حزب الله ومن ورائه إيران، وهذه الأقلية لديها القدرة على التعطيل. على الجانب الآخر، فقد انجلت الانتخابات عن فريق الأكثرية الذي لديه ربما 68 نائباً، ولكنها أكثرية مشرذمة ومبعثرة، ولكن هي أيضاً لديها قدرة على التعطيل.
ما هي الصورة الآن؟ ربما يتم التوجه نحو حالة يبدو معها انه سيكون من غير الممكن أن يصار إلى انتخاب رئيس جديد للجمهورية لعدم وجود التوافق مع حزب الله ومن ورائه إيران، اللذان يريدان رئيساً يضمن لهما استمرار تسلطها على القرار اللبناني، ويضمن لهما استمرار وجود السلاح وأمرته بيد حزب الله.
هناك حاجة حقيقية في لبنان لكي يكون لدينا رئيس جمهورية على الاقل يستطيع أن يقوم بدور رئيس الجمهورية الحافظ للدستور والحكم بين القوى السياسية، والقادر على الدفع باتجاه استعادة الدولة لدورها ولسلطتها ولقرارها الحر، ويدعم اعتماد نهج الإصلاح الذي يحتاجه لبنان، ولاسيما بعد الانهيار الكبير الحاصل في لبنان. وأيضاً أن يدفع باتجاه القيام بوضع اتفاق مع الصندوق الدولي، بما يمكن أن يسهم بالاستعادة التدريجية للثقه بالغد لدى اللبنانيين، والثقة بلبنان من قبل اللبنانيين والأشقاء والأصدقاء.
س: اسمح لي دولة الرئيس السنيورة، فرنسا التقت بجميع الأطراف اللبنانية وبما فيها حزب الله. وهناك حوار بين باريس وطهران يتعلق بالملف اللبناني لم تنجح المساعي والجهود الفرنسية إلى حد هذه اللحظة لدفع الأطراف اللبنانية داخل لبنان لإنجاز كل الإصلاحات والاستحقاقات المطلوبة منها؟
ج: صحيح، ولكن- وكما تقول- لم يتقدم لبنان على الإطلاق على المسارات اللازمة لبدء ورشة الإصلاح التي طال أمد الاستعصاء عليه. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ لبنان لايزال يعاني وحتى الآن من عدم القدرة على تخطي المشكلات التي يمكن أن تنتج عن الفراغ الدستوري في موقع الرئاسة. ولاتزال هناك محاولات لتأليف حكومة بديلاً من حكومة تصريف الأعمال لتجنب ما قد ينتج عن النزاعات بسبب المواقف السلبية بشأن حكومة تصريف الأعمال وصلاحياتها في تسلّم هذه المسؤولية، مع أنها دستورياً قادرة على تحمل هذه المسؤولية. ولكن حتى موضوع تأليف الحكومة البديلة يبدو انه أصبح غير متاح، وعلى ما يبدو لا يمكن أن نصل إلى تأليف حكومة جديدة خلال فترة الست ايام المتبقية حيث تبدأ المرحلة الدستورية لانتخاب الرئيس، حيث يصبح مجلس النواب هيئة انتخابية ابتداءً من العشرين من هذا الشهر، ولا يعود بإمكانه أن يمارس عمله كهيئة تشريعية.
أعتقد أنّ حزب الله ومن ورائه إيران لا يرى أن الوقت مناسب لانتخاب رئيس جديد للجمهورية. كذلك، فإنّ إيران التي يمكن لها أن تسهم في حلحلة الأمور لا تريد وربما لا تستطيع أن تقدم أي تنازلات في هذه الفترة بسبب الضغوط التي تتعرض لها إيران- أكان ذلك دولياً أو إقليمياً، وكذلك أيضاً داخلياً، وتحديداً بسبب الظروف التي تمر بها. وبالتالي، فإنه لا يناسبها أن تقدم أي تنازلات الآن.
أما بالنسبة لرئيس الجمهورية ومن ورائه صهره جبران باسيل الذي يفرض الشروط ويحاول أن يمدّ نفوذه لتكون له السيطرة في المرحلة القادمة، أي بعد انتهاء ولاية الرئيس عون، عبر الحكومة الجديدة التي يريد أن يعزّز فيها نفوذه، وحيث أنّه لا يستطيع أن يفرض أي مرشح رئاسي يشترك في السيطرة عليه مع حزب الله. فإنّه يبدو أنّ هناك ربما تقبلاً للفكرة بأن يمر التاريخ 31 أكتوبر دون أن يكون هناك انتخاب رئيس الجمهورية ومع ما يعنيه ذلك من مخاطر كبرى على لبنان.
س: في حال انتهت المدة الدستورية من دون انتخاب رئيس جديد كيف سيكون الوضع في لبنان؟
ج: هناك على الاقل حكومة تصريف أعمال مع ما يعني ذلك من صلاحيات محدودة لهذه الحكومة، والمحصورة بتصريف الأعمال ضمن الحدود الضيقة ولكنها دستورياً تستطيع أن تقوم بهذا العمل ولكن هذا ليس تبريراً للاستمرار في تعطيل انتخاب رئيس الجمهورية.
أنا أميل إلى الظن بأنّ هذا ما سيحصل مع ما يعنيه ذلك من مخاطر كبيرة على لبنان، ومما قد يجره تصرف البعض بطريقة لا مسؤولة وغير منسجمة مع حدّة المخاطر التي يتعرّض لها لبنان بسبب الضغوط التي يمارسها، ولاسيما جبران باسيل وبخاصة كذلك من حزب الله لجهة الحؤول دون انتخاب الرئيس الجديد في حال ان يكون شخصاً لا يناسبهم.
لقد ساءني أن ليس هناك تعاون بين الفرقاء من أجل إنجاز هذا الاستحقاق الرئاسي في الجلسة الأخيرة لمجلس النواب. ولقد كان هناك عدد من النواب ومن ضمنهم نواب من حزب الله والتيار الوطني الحر وحركة أمل موجودون في مبنى المجلس، والذين لم يدخلوا إلى القاعة الرئيسية، ولم يؤمنوا النصاب اللازم من أجل بدء العملية الانتخابية التي تفترض أن يكون موجوداً على الأقل ثلثي أعضاء مجلس النواب حاضرين، وحضور الثلثان من أعضاء المجلس ضروري لانتخاب الرئيس في الجلسة الأولى. ولكن، وفي الجلسة الثانية، يمكن الانتخاب بأكثرية حضور وعلى الأقل ثلثي الأعضاء- ولكن أن ينتخب الرئيس بحد أدنى- وهو النصف زائد واحد.
هناك تشدد من قبل حزب الله والتيار الوطني الحر وحركة أمل، وهناك موقف سيادي ثابت من قبل الحزب الاشتراكي والقوات اللبنانية. وموقف النواب السياديين، هو أنه من الخطأ الكبير أن يصار إلى استبدال الرئيس عون بأن يكون الرئيس الجديد على شاكلة الرئيس عون الذي تحققت في عهده في لبنان وخلال السنوات الست من عهده كل هذه الانهيارات والكوارث. الحقيقة أنَّه لا يمكن تصوّر مدى الضرر الكبير الواقع على لبنان بسبب الرئيس عون، وبسبب تحكّم صهره جبران باسيل به. وهذا أمر معيب أن يكون رئيس الجمهورية تحت سلطة صهره جبران باسيل.
تجدر الإشارة إلى أنّ الرئيس عون هو الذي تسبّب في تأخير انتخاب رئيس الجمهورية في العامين 1989 و1990 من القرن الماضي، وهو الذي تسبب بذلك التأخير في العام 2007 والعام 2008، وكذلك بعدها في الأعوام 2014- 2015 و2016. وللأسف، فإنّ هذا التصرف اللامسؤول يتكرّر الآن.
س: دولة الرئيس فؤاد السنيورة، هذه ليست المرة الأولى التي يجري فيها عدم الالتزام بالاستحقاقات الدستورية هل هناك طريقة أخرى؟
ج: صحيح، ولكن لبنان لم يكن يستطيع تحمل ذلك في الماضي، وحتماً وبسبب الانهيارات الكبرى التي يتعرّض لها لبنان في أكثر من مجال، فإنّه لا يستطيعها الآن على الإطلاق.
تجدر الإشارة هنا أنه قد جرى مساعدة الرئيس عون من أجل أن يبدي تعاوناً أفضل، ولاسيما في عملية خروجه من القصر الجمهوري في الثلاثين من هذا الشهر، وهو قد أُعطى هدية عبر الاتفاق بين لبنان وإسرائيل بواسطة الوسيط الأميركي، وهو الاتفاق الذي يعتبر بمثابة التعويض المعنوي للرئيس بأنها تمت في عهده. لكن ليس هناك مبرر له على الإطلاق للبقاء في القصر الجمهوري. وأنا أعتقد أنه قد يدرك المخاطر الكبرى التي يمكن أن تحصل عليه وعلى لبنان في حال أصرّ الرئيس عون على البقاء والاعتصام في القصر الجمهورية خلافاً للدستور.
على الرئيس عون أن يذهب، ولكن يجب أن تتصاعد وتتكاثر في ذات الوقت الضغوط والمحاولات من أجل حلّ المشكلة الكبرى في عدم انتخاب الرئيس الجديد. إذْ أنّه، وبعد حلول الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر القادم، أعتقد أن الكثيرين سوف يدركون أن عليهم أن يتصرفوا بحكمة أكبر وأن يسهموا في التوصل إلى انتخاب رئيس جديد للجمهورية، يستطيع أن يستعيد تدريجيا سلطة الدولة ومن ثم ما يمكن التوصل بعدها إلى التقدم على المسارات الإصلاحية التي ينبغي على لبنان أن يبدأ بتنفيذها. لأنّه بدونها لا يمكن أن يحدث الاختراق النوعي التي يتطلع إليه اللبنانيون من اجل البدء بمرحلة جديدة تجري فيها استعادة إمكانية الثقة في الغد، وحيث تبدأ الدولة اللبنانية في استعادة دورها وسلطتها واحترامها لدى اللبنانيين ولدى أشقاء لبنان وأصدقاءه في العالم.
